بقلم:د.ميراي زيادة
لم تعد إسرائيل تتحدث عن “احتمال” الحرب مع إيران، بل عن شكلها وحجمها وتوقيتها وأهدافها.
المرحلة تغيّرت بالكامل. وما يجري داخل مراكز القرار في تل أبيب وواشنطن لم يعد نقاشاً حول كيفية احتواء إيران، بل حول كيفية إخضاعها بالقوة قبل أن تتحول إلى دولة نووية كاملة.
فالإسرائيليون باتوا مقتنعين بأن المفاوضات بين واشنطن وطهران وصلت إلى حائط مسدود، وأن الهوة بين الطرفين أصبحت أعمق من أن تُردم بتفاهمات مرحلية أو حلول وسط.
في نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لم يعد لدى دونالد ترامب ترف الوقت، ولا قدرة على تحمّل استمرار الطريق المسدود، لأن كل يوم يمرّ يمنح إيران وقتاً إضافياً لتثبيت مشروعها النووي وتحصين بنيتها العسكرية والأمنية.
لهذا السبب، انتقل النقاش الإسرائيلي من “هل تقع الحرب؟” إلى “كيف يجب أن تكون الحرب المقبلة؟”.
والأخطر أن إسرائيل لم تعد ترى أن الضربات المحدودة أو العمليات الموضعية قادرة على تغيير المعادلة.
فوفق التقديرات المتداولة داخل الدوائر العسكرية الإسرائيلية، فإن الضربات السابقة لم تُسقط النظام، ولم تُضعف الحرس الثوري، ولم تُنهِ المشروع النووي، بل دفعت القيادة الإيرانية إلى قناعة أخطر: أن امتلاك السلاح النووي أصبح الضمانة الوحيدة لبقاء النظام.
وهنا تكمن العقدة الكبرى.
إسرائيل باتت مقتنعة بأن إيران بعد الحرب ليست إيران قبلها.
فالقيادة الإيرانية، بحسب القراءة الإسرائيلية، لم تعد تفكر بمنطق “الدولة على عتبة النووي”، بل بمنطق الدولة التي يجب أن تمتلك القنبلة فعلياً مهما كانت الكلفة.
ولهذا لم يعد الحديث الإسرائيلي يقتصر على استهداف المنشآت النووية، بل توسّع ليشمل بنية الدولة الإيرانية نفسها:
منشآت الطاقة
البنية النفطية
الموانئ
مضيق هرمز
الجزر الاستراتيجية
شبكات الإمداد
البنى التحتية الحساسة
أي أن التفكير الإسرائيلي انتقل من “ضرب المشروع النووي” إلى “إضعاف قدرة إيران على الصمود كدولة”.
الأخطر من ذلك أن تل أبيب تعتقد أن الانقسام داخل النظام الإيراني أصبح حقيقياً وعميقاً.
فهناك، بحسب القراءة الإسرائيلية، جناح معتدل يمثله الدبلوماسيون وبعض الشخصيات التي تدرك حجم الانهيار الاقتصادي وخطورة المواجهة المفتوحة، في مقابل جناح متشدد يقوده الحرس الثوري ورجال الدين المحافظون الذين يعتبرون أي تسوية مع واشنطن استسلاماً عقائدياً.
وفي أخطر توصيف صدر أخيراً، يتحدث محللون إسرائيليون مقرّبون من المؤسسة العسكرية عن أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي لم يعد صاحب القرار الحر بالكامل، بل أصبح محاصراً داخل منظومة الحرس الثوري التي تتحكم فعلياً بمسار القرار الاستراتيجي.
هذه ليست مجرد قراءة سياسية.
إنها رسالة إسرائيلية واضحة تقول إن تل أبيب لم تعد ترى المشكلة في البرنامج النووي فقط، بل في طبيعة النظام الإيراني نفسه.
ومن هنا بدأ الحديث عن حرب مختلفة:
حرب واسعة
متصلة
متعددة الجبهات
تمتد لأسبوع أو أسبوعين
تشمل عمليات جوية وبحرية وربما برية
وتنفَّذ أميركياً وإسرائيلياً بشكل مشترك
أي أن المنطقة قد تكون أمام أكبر مواجهة عسكرية منذ عقود.
لكن في المقابل، تكشف هذه التقديرات حجم القلق الإسرائيلي أيضاً.
فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن أي مواجهة طويلة قد تؤدي إلى:
انفجار أسعار النفط
شلل الملاحة في الخليج
استهداف قواعد أميركية
ضرب منشآت طاقة خليجية
انهيارات اقتصادية إقليمية
ودخول المنطقة في حرب استنزاف مفتوحة
ولهذا يبرز خيار آخر داخل دوائر القرار الأميركية والإسرائيلية: الحصار البحري الخانق في مضيق هرمز.
هذا الخيار لا يقل خطورة عن الحرب المباشرة، لأنه يعني عملياً خنق الاقتصاد الإيراني تدريجياً، ورفع معدلات التضخم والانهيار المعيشي داخل إيران، ودفع النظام إلى مواجهة ضغط داخلي هائل.
السيناريوهات هو ما تتحدث عنه إسرائيل نفسها اليوم: الخوف من ضربة إيرانية استباقية.
ففي ظل اقتناع طهران بأن الحرب قد تكون مسألة وقت، قد تقرر القيادة الإيرانية قلب الطاولة والمبادرة إلى الهجوم أولاً، عبر استهداف:
قواعد أميركية
منشآت نفطية خليجية
أهداف إسرائيلية
أو الملاحة الدولية في الخليج
وهنا تصبح المنطقة كلها أمام لحظة انفجار شامل لا يمكن التحكم بمساراته.
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد إعلامي.
إنه انتقال فعلي من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “التحضير للمواجهة الكبرى”.
المنطقة تقف على حافة أخطر إعادة رسم لموازين القوى منذ سنوات طويلة، والعالم بأسره يراقب سباقاً مرعباً بين:
مشروع يريد فرض الردع النووي بالقوة، و
مشروع يريد منع ذلك ولو عبر إشعال الشرق الأوسط كله.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لم يعد السؤال: هل تقع الحرب؟
بل: من سيطلق الشرارة الأولى… ؟

