بقلم:د.ميراي زيادة
في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل المحرمات. وما كان يُعدّ بالأمس خارج دائرة النقاش، يصبح اليوم مادةً للحوار، ثم يتحول لاحقًا إلى واقع سياسي جديد.
من هنا، لا يمكن قراءة ما شهدته الساحة اللبنانية خلال الأسابيع الماضية على أنه مجرد سلسلة مقابلات إعلامية مع شخصيات إسرائيلية أو لبنانية مقيمة في إسرائيل، أو تصريحات فردية تدعو إلى إنهاء العداء أو التطبيع. فهذه الوقائع، مهما بدت متفرقة، تطرح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام تحول في الخطاب السياسي اللبناني، أم أمام إعادة صياغة تدريجية لمفهوم العلاقة مع إسرائيل؟
لقد اعتادت المجتمعات، عبر التاريخ، أن تشهد انتقالًا تدريجيًا للأفكار المثيرة للجدل. تبدأ الفكرة مرفوضة، ثم تصبح قابلة للنقاش، ثم تتحول إلى رأي مشروع، قبل أن تجد طريقها إلى المؤسسات والقرارات. وهذه الآلية ليست لبنانية، بل هي من أكثر أدوات صناعة الرأي العام استخدامًا في العلوم السياسية.
ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط تعدد المقابلات أو التصريحات، بل غياب ردود الفعل الرسمية التي كانت، في مراحل سابقة، أكثر حدة تجاه أي شكل من أشكال التواصل الإعلامي مع إسرائيل. هذا التباين يدفع إلى التساؤل: هل تبدلت أولويات الدولة؟ أم أن هناك قراءة مختلفة للتمييز بين التواصل الإعلامي والتعامل الأمني؟ أم أن المشهد السياسي يعيش مرحلة انتقالية لم تتبلور معالمها النهائية بعد؟
في المقابل، لا يزال القانون اللبناني يفرض قيودًا واضحة على أشكال معينة من التواصل مع إسرائيل، ما يجعل النقاش أكثر تعقيدًا بين النص القانوني، والممارسة الفعلية، والتحولات السياسية والإقليمية التي تشهدها المنطقة.
إن القضية، في جوهرها، لا تتعلق بمقابلة تلفزيونية أو تصريح إعلامي، بل بالسؤال الأكبر: كيف تتغير الدول؟ وكيف يُعاد تشكيل الرأي العام؟ وهل ما نشهده اليوم هو مجرد تكيّف مع واقع إقليمي جديد، أم بداية إعادة رسم للثوابت السياسية التي حكمت لبنان لعقود؟
الإجابة ربما لا تزال مبكرة. لكن المؤكد أن السياسة لا تتحرك بالقفزات، بل بخطوات صغيرة، وأن التحولات الكبرى تبدأ غالبًا من تغيير ما يراه الناس طبيعيًا أو غير طبيعي.
ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستحق قراءة هادئة بعيدة عن الانفعال، لأن التاريخ يعلمنا أن أخطر التحولات ليست تلك التي تُعلن في المؤتمرات، بل تلك التي تتسلل بهدوء إلى الوعي العام حتى تصبح، مع مرور الوقت، جزءًا من المشهد السياسي المعتاد.

