أقلام حرّة: لبنان.. العنقاء التي لا تموت
بقلم: حسن الزرقوني
تونس – 5 تموز/يوليو 2026
هناك أوطان نزورها، وهناك أوطان تسكننا.
ومن بين كل المدن والبلدان التي عرفتُها خلال مسيرتي، باحثًا في الإحصاء، ومراقبًا لتحولات المجتمعات، وإنسانًا يؤمن بحرية الفكر، لم يترك وطن أثرًا في روحي كما فعل لبنان.
ليس لبنان بلدًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل هو حالة إنسانية استثنائية، ومفارقة يصعب على العقل وحده أن يحيط بها. إنه وطن يقف دائمًا على الحد الفاصل بين الحياة والموت، بين الخراب والجمال، بين المأساة والأمل. وكأن التاريخ قرر أن يختبر فيه، دون سواه، قدرة الإنسان على النهوض بعد كل سقوط.
في لبنان لا تموت الحياة… بل تعود، كل مرة، أكثر عنادًا.
حين تصبح المعرفة فعل مقاومة
ما إن يدخل المرء بيروت حتى يشعر أنه يعبر إلى فضاء مختلف.
فالمدينة، رغم جراحها، ما زالت تحتفظ بذلك الوهج الفكري الذي جعل منها، لعقود طويلة، العاصمة الثقافية للمشرق العربي.
في شارع الحمرا، حيث تختلط رائحة الكتب بأحاديث السياسة والفلسفة والمسرح، يدرك الزائر أن الثقافة هنا ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء.
ولم تكن مكتبة أنطوان بالنسبة إليّ مجرد مكتبة، بل معبدًا للكلمة الحرة.
كم مرة دخلتها ظانًا أنني سأقتني كتابًا واحدًا، فإذا بالساعات تمضي دون أن أشعر، بين رفوف تحمل ذاكرة أمة كاملة، وبين صفحات ترفض أن تسمح للظلام بأن ينتصر.
في لبنان جبران خليل جبران، لا تزال الكلمة تمتلك هيبتها، ولا يزال الكتاب يشكل خط الدفاع الأول عن العقل في مواجهة العنف والتعصب.
وقد لمست هذا الإيمان العميق بالعلم عندما تشرفت بإلقاء محاضرة في الجامعة اليسوعية حول دور استطلاعات الرأي والمناهج الكمية في دعم التحول الديمقراطي.
هناك، أمام وجوه شابة متعطشة للمعرفة، أدركت أن الجامعة اللبنانية لا تزال مصنعًا للأمل، وأن البحث العلمي في هذا البلد ليس ترفًا أكاديميًا، بل ممارسة يومية من أجل الحرية.
موسيقى تتحدى الانقسام
إذا أردت أن تعرف لبنان، فلا تكتف بالنظر إليه…
أنصت إليه.
فصوت فيروز ليس مجرد غناء، بل ذاكرة وطن بأكمله.
إنها الصوت الذي يوقظ الصباحات، ويرافق الطرقات، ويجمع اللبنانيين حول وطن قد يختلفون في السياسة، لكنهم يلتقون في محبته.
أما الأخوان رحباني، فقد نجحا في أن يصوغا للبنان هوية فنية تتجاوز الزمن والانقسامات.
وفي المسرح، يواصل جورج خباز هذا الإرث الإنساني، حيث تمتزج القصيدة بالحياة اليومية، وتمتزج الضحكة بالدمعة.
أما عادل كرم وعباس شاهين، فقد جعلا من السخرية مدرسة كاملة لفهم المجتمع.
في لبنان، يتحول الضحك إلى وسيلة للمقاومة، ويصبح الفكاهة فعلًا من أفعال الحرية.
فالإنسان الذي لا يستطيع تغيير الواقع، يرفض على الأقل أن يسمح له بسلبه القدرة على الابتسام.
حين يتحدث الحجر والطبيعة
لم أرَ في أسفاري كلها مكانًا يشبه مغارة جعيتا.
هناك، يتوقف الزمن.
كل قطرة ماء، وكل صخرة، وكل انعكاس للنور، يروي قصة ملايين السنين.
يشعر الإنسان هناك بصغره أمام عظمة الخلق، ويكتشف أن الطبيعة هي الفنان الأكبر الذي لم ولن يُهزم.
أما نهر إبراهيم، نهر أدونيس، فليس مجرد مجرى ماء، بل قصيدة مفتوحة على الأسطورة.
وفوق الأرض، تستمر الحكاية.
جبيل، التي خرجت منها الأبجدية إلى العالم.
بعلبك، التي لا تزال أعمدتها تتحدى الزمن.
وصيدا وصور، المدينتان اللتان ظل البحر بالنسبة إليهما نافذة على الحضارات، وجسرًا بين الشرق والغرب.
كل حجر في لبنان يروي فصلًا من تاريخ الإنسانية.
وطن التناقضات الجميلة
لبنان لا يُفهم من خلال نشرات الأخبار.
إنه يُفهم من خلال الناس.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، رأيت مجتمعًا صنع من التضامن بديلاً عن غياب الدولة.
ورأيت، في الوقت نفسه، حياة تعيش تحت ظل القلق الدائم، حيث تصبح السياسة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ثم اتجهت جنوبًا…
وهناك اكتشفت وجهًا آخر للبنان.
قرى تتجاور فيها الكنائس والمساجد، وتتشابك فيها أجراس الكنائس مع الأذان، دون أن تفقد الأرض وحدتها.
في تلك القرى، يصبح الزيتون جزءًا من الهوية، ويغدو العسل، والأعشاب البرية، والكرمة، امتدادًا لذاكرة آلاف السنين.
إنها الروح المتوسطية نفسها التي عرفتها في كورسيكا وكريت وقبرص، لكنها هنا أكثر دفئًا، وأكثر شاعرية، وأكثر التصاقًا بالأرض.
جيل يرفض الهزيمة
يبقى شباب لبنان أعظم ما فيه.
جيل يرقص فوق الركام، ويبتكر الفرح وسط الأزمات، ويصر على الحياة حين تبدو الحياة مستحيلة.
إن الحرية بالنسبة إلى الشباب اللبناني ليست شعارًا سياسيًا، بل أسلوب وجود.
ولهذا تبدو قدرتهم على الإبداع، والاحتفال، والسفر إلى الطبيعة، والتمسك بالحياة، أشبه بإعلان دائم أن الإنسان يستطيع أن ينتصر على ظروفه مهما كانت قاسية.
العنقاء التي لا تموت
علمني لبنان درسًا لن أنساه.
قد تخسر الأمم اقتصادها.
وقد تنهار مؤسساتها.
وقد تتداعى بناها التحتية.
لكن الأمة التي تحافظ على ثقافتها، وعلى موسيقاها، وعلى مدارسها، وعلى عشقها للحرية، لا يمكن أن تُهزم.
لهذا بقي لبنان، وسيبقى، يشبه العنقاء الأسطورية.
كلما اعتقد العالم أن النار قد أتت عليه، خرج منها أكثر إشراقًا.
لقد غادرت لبنان مرات كثيرة…
لكن شيئًا مني بقي هناك دائمًا.
وأيقنت أن الأوطان العظيمة لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تمتلكه من قدرة لا تنضب على تحويل الألم إلى أمل، والخراب إلى حياة، والانكسار إلى بداية جديدة.
تلك هي، في نظري، المعجزة اللبنانية

