بقلم:د.ميراي زيادة
لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام من الصراعات المتشابكة، يمتد من الخليج إلى الساحل الإفريقي، ومن الصحراء المغربية إلى ليبيا والسودان، فيما جاءت حرائق الغابات لتكشف حجم الضغط الذي تتعرض له الدولة الجزائرية، داخلياً وخارجياً.
الجزائر اليوم لا تقف أمام نار واحدة.
هناك نار تلتهم الغابات، ونار تشتعل في العلاقات مع الإمارات، ونار تتقدم من مالي، ونار مفتوحة منذ سنوات مع المغرب، فضلاً عن صراع النفوذ في ليبيا والسودان. وبين هذه الجبهات كلها، تجد الجزائر نفسها مطالبة بالدفاع عن أمنها القومي، وحدودها، وموقعها الإقليمي، وحتى عن صورتها أمام شعبها.
الأزمة مع الإمارات لم تعد مجرد سوء تفاهم سياسي. إنها صدام بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل المنطقة.
فالجزائر تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية مستقلة، ترفض أن تتحول منطقة المغرب العربي والساحل الإفريقي إلى مساحة تديرها قوى خارجية من خلف الستار. أما أبوظبي، فوسعت خلال السنوات الأخيرة حضورها السياسي والاقتصادي والأمني، وبات نفوذها يمتد من المغرب إلى السودان وليبيا ومنطقة الساحل.
ومن هنا بدأ الاشتباك.
الإمارات تدعم المغرب سياسياً واقتصادياً، وتتبنى موقفاً واضحاً في ملف الصحراء، بينما تعتبر الجزائر أن هذا الملف يمس مباشرة توازن القوى في المغرب العربي وأمنها الاستراتيجي. والاستثمارات الإماراتية الكبرى في المغرب لا تُقرأ في الجزائر باعتبارها مشاريع اقتصادية فقط، بل بوصفها جزءاً من شراكة سياسية تعزز موقع الرباط في مواجهة الجزائر.
ولذلك، فإن الخلاف الجزائري ـ الإماراتي لا ينفصل عن الصراع الجزائري ـ المغربي. فبالنسبة إلى الجزائر، دعم الإمارات للمغرب يعني عملياً أن أبوظبي أصبحت طرفاً غير مباشر في المواجهة الإقليمية بين أكبر قوتين في المغرب العربي.
لكن الأخطر بالنسبة إلى الجزائر لا يأتي من الغرب وحده، بل من الجنوب أيضاً.
مالي… الخاصرة المفتوحة للجزائر
ما يجري في مالي ليس ملفاً خارجياً بعيداً عن الحدود الجزائرية، بل تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري.
فالحدود الطويلة بين البلدين، وانتشار الجماعات المسلحة، وتصاعد نفوذ الفصائل الانفصالية والتنظيمات المتطرفة، وتراجع سلطة الدولة المركزية، كلها عوامل تجعل من مالي بؤرة قادرة على تصدير الفوضى والإرهاب والسلاح والتهريب إلى الداخل الجزائري.
لقد حاولت الجزائر تاريخياً أن تؤدي دور الوسيط والضامن في مالي، وأن تمنع انهيار الدولة أو تحول الشمال المالي إلى قاعدة مفتوحة للجماعات المسلحة. لكن التحولات الأخيرة قلّصت من قدرتها على التأثير، وفتحت المجال أمام قوى إقليمية ودولية جديدة تريد إعادة تشكيل موازين القوة في الساحل.
وهنا يظهر مجدداً عامل الصراع مع الإمارات.
فالجزائر تتوجس من أي دعم خارجي لأطراف أو جماعات أو شبكات نفوذ داخل مالي قد تؤدي إلى إضعاف السلطة المركزية، أو تفجير التوازنات القبلية والعرقية، أو دفع الصراع باتجاه حدودها الجنوبية. وهي تنظر إلى أي تحرك إماراتي في الساحل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتطويق نفوذها التاريخي في إفريقيا.
من هنا، لم تعد مالي مجرد دولة مجاورة تعاني أزمة أمنية. لقد تحولت إلى ساحة تنافس على النفوذ، وإلى اختبار لقدرة الجزائر على حماية عمقها الإفريقي.
فالخطر المالي بالنسبة إلى الجزائر ليس فقط في احتمال تسلل مسلحين عبر الحدود، بل في أن تصبح منطقة الساحل بكاملها خاضعة لتوازنات جديدة لا تمتلك الجزائر الكلمة العليا فيها.
ليبيا… الجبهة الشرقية
وفي ليبيا، تتكرر المعادلة نفسها.
الجزائر تريد دولة ليبية موحدة، ومؤسسات رسمية قادرة على ضبط الحدود ومنع انتشار السلاح والجماعات المسلحة. فهي تدرك أن أي انهيار إضافي في ليبيا يعني مزيداً من الفوضى على حدودها الشرقية.
لكن تضارب التدخلات الخارجية جعل ليبيا ساحة مفتوحة للصراع بين قوى إقليمية متعددة.
والجزائر تنظر بحذر شديد إلى الدور الإماراتي هناك، ولا سيما إلى دعم قوى عسكرية وسياسية تراها الجزائر غير منسجمة مع رؤيتها للحل السياسي ووحدة الدولة الليبية.
إن الخلاف في ليبيا ليس خلافاً على شخص أو حكومة فقط، بل خلاف على شكل الدولة المقبلة: هل تكون دولة موحدة تديرها مؤسسات وطنية، أم مناطق نفوذ تتقاسمها قوى محلية وإقليمية؟
والجزائر تخشى النموذج الثاني، لأنه يعني أن الفوضى ستصبح دائمة على حدودها.
السودان… صدام المحاور
أما في السودان، فتقف الجزائر والإمارات مجدداً على ضفتين متقابلتين.
الجزائر تميل إلى دعم مؤسسات الدولة والجيش السوداني، انطلاقاً من عقيدتها السياسية القائمة على رفض إسقاط الدول وتفكيك الجيوش النظامية. وفي المقابل، تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما ترى فيه الجزائر تهديداً لوحدة السودان واستمراراً لسياسة إنتاج كيانات مسلحة تنازع الدولة سلطتها.
ومن وجهة النظر الجزائرية، ما يحدث في السودان ليس حرباً داخلية معزولة، بل نموذج خطير يمكن أن ينتقل إلى دول أخرى: جيش رسمي في مواجهة قوة مسلحة موازية، ودولة تتحول تدريجياً إلى مناطق نفوذ، وثروات وطنية تصبح جزءاً من صراع إقليمي مفتوح.
وهذا تحديداً ما تخشاه الجزائر في مالي وليبيا ومنطقة الساحل.
الإمارات والجزائر… صراع على من يرسم خريطة المنطقة
لهذا السبب، فإن الأزمة بين الجزائر والإمارات أعمق من إلغاء اتفاقية جوية أو وقف رحلات طيران.
إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية، والتراجع الحاد في التواصل السياسي، والتصعيد الإعلامي، والتلويح بإمكان قطع العلاقات، كلها مظاهر لصراع أكبر على النفوذ والقرار واتجاه التحالفات في شمال إفريقيا والساحل.
فالجزائر ترى أن أبوظبي تتحرك داخل فضاءات تعتبرها جزءاً من أمنها القومي: المغرب، ليبيا، مالي والسودان. بينما تتصرف الإمارات باعتبارها قوة إقليمية تمتلك الحق في بناء تحالفاتها وشبكات مصالحها من الخليج إلى المحيط الأطلسي.
وبين الرؤيتين، لم يعد هناك هامش كبير للتسوية.
إنه صراع بين دولة تريد الحفاظ على مجالها الاستراتيجي التقليدي، وقوة مالية وسياسية صاعدة تستخدم الاستثمار والتحالفات والإعلام لبناء نفوذ عابر للحدود.
الحرائق… عندما دخلت الأزمة إلى الداخل
وسط هذه المواجهة، اندلعت حرائق الغابات الجزائرية.
مناخياً، تبدو الأسباب واضحة: قبة حرارية، ودرجات حرارة لامست 48 درجة، وجفاف ممتد حوّل الأحراش والغطاء النباتي إلى وقود سريع الاشتعال، إضافة إلى عوامل بشرية تتراوح بين الإهمال والحرق المتعمد.
لكن سياسياً، لم تبقَ الحرائق مجرد كارثة طبيعية.
فالجزائر اتهمت جهات خارجية باستغلال المأساة لتضخيم صورة الفوضى والعجز، من خلال حملات إعلامية وصور قيل إن بعضها مفبرك أو مولد بالذكاء الاصطناعي. وتركزت الاتهامات على منصات وجهات مرتبطة بالإمارات أو منسجمة مع سياساتها.
وهنا انتقلت المواجهة من خارج الحدود إلى داخل الوعي الجزائري.
لم يعد المطلوب فقط إخماد النيران في سكيكدة وبجاية وجيجل وسطيف والبويرة، بل أيضاً إخماد أثر الصور والأخبار التي تحاول تصوير الدولة وكأنها فقدت السيطرة.
فالسلطة تدرك أن الحروب الحديثة لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف الثقة بالدولة. والصورة المفبركة قد تكون أخطر من الرصاصة، لأنها تضرب العلاقة بين المواطن ومؤسساته، وتحوّل الكارثة الطبيعية إلى أزمة شرعية سياسية.
السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ترى الجزائر نفسها أمام مشروع تطويق إقليمي؟
من الغرب، مواجهة مفتوحة مع المغرب حول الصحراء والحدود والنفوذ.
من الجنوب، مالي مضطربة وساحل إفريقي تتنازعه الجماعات المسلحة والقوى الدولية والإقليمية.
من الشرق، ليبيا منقسمة ومليئة بالسلاح والتدخلات.
وفي العمق الإفريقي، السودان يتحول إلى ساحة حرب بين الجيش وقوة مسلحة موازية.
وفوق هذه الخريطة، تبرز الإمارات لاعباً حاضراً في معظم الملفات التي تقلق الجزائر.
لهذا، فإن التوتر الجزائري ـ الإماراتي لا يمكن قراءته بوصفه خلافاً ثنائياً فقط. إنه تعبير عن قلق جزائري متصاعد من أن تخسر البلاد محيطها الاستراتيجي، وأن تتحول الدول المجاورة لها إلى ساحات نفوذ لقوى تنافسها أو تعادي رؤيتها.
لكن الجزائر، في المقابل، ليست دولة سهلة التطويق.
فهي تملك ثقلاً عسكرياً وسياسياً وطاقوياً كبيراً، وخبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، وحدوداً شاسعة، وعلاقات متجذرة في القارة الإفريقية. إلا أن تعدد الجبهات يضعها أمام امتحان بالغ الصعوبة: كيف تحمي حدودها من دون أن تنجر إلى حروب استنزاف؟ وكيف تحافظ على نفوذها من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوى تمتلك أدوات مالية وإعلامية وتحالفات واسعة؟
الجزائر اليوم لا تحارب حريقاً موسمياً.
إنها تحاول منع النار من تشكيل خريطة جديدة حولها.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط في الغابات التي احترقت، بل في مالي التي تتفكك، وليبيا التي لم تستقر، والسودان الذي ينزف، والصحراء التي تشعل الخصومة مع المغرب، والإمارات التي باتت حاضرة في معظم الدوائر التي تعتبرها الجزائر امتداداً مباشراً لأمنها القومي.
قد تنطفئ حرائق الصيف قريباً، لكن حرائق السياسة ستبقى مشتعلة.
والسؤال لم يعد: هل تقطع الجزائر علاقاتها مع الإمارات؟
السؤال الأخطر هو: هل دخلت المنطقة فعلاً مرحلة إعادة رسم موازين القوى، بحيث تجد الجزائر نفسها مضطرة إلى خوض معركة طويلة لمنع تطويقها، وعزلها عن عمقها الإفريقي، وانتزاع دورها التاريخي في المغرب العربي والساحل؟
إنها ليست أزمة حرائق.
إنها معركة على الجزائر نفسها: على حدودها، وعلى نفوذها، وعلى موقعها، وعلى من يملك حق رسم الخريطة الجديدة لشمال إفريقيا.

