بقلم: د. ميراي زيادة
لم يسقط قانون العفو العام في مجلس النواب بسبب غموض في النصوص، ولا نتيجة خلاف تقني على مادة قانونية، بل سقط لأن السياسة كانت أقوى من التشريع، ولأن الحسابات الطائفية والانتخابية سبقت الاعتبارات الإنسانية والقضائية. وبين فقدان النصاب وتبادل الاتهامات، بقي الموقوفون وعائلاتهم وحدهم يدفعون ثمن العجز عن التوصل إلى تسوية سياسية واضحة.
فمع بدء مناقشة اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، المدرج على جدول الأعمال قبل مشروع قانون العفو العام، انفجر الخلاف الذي كان يتفاعل في الكواليس منذ أيام. طالبت «القوات اللبنانية» بتقديم بند العفو ومناقشته أولاً، خشية أن يتحول الجدل حول إلغاء الإعدام إلى وسيلة تمنع المجلس من الوصول إلى القانون المنتظر. لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري رفض تعديل ترتيب البنود، فانسحب نواب «القوات» من القاعة، وسقط النصاب، وانتهت الجلسة قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية حول العفو.
غير أن ما جرى داخل المجلس لم يكن سوى النتيجة العلنية لفشل الاتصالات التي سبقت الجلسة. فالاجتماعات التي عُقدت بين عدد من النواب السنّة ونائب رئيس المجلس إلياس بو صعب والمعاون السياسي للرئيس بري النائب علي حسن خليل، إلى جانب المشاورات مع رئيس الحكومة نواف سلام، لم تنجح في إنتاج صيغة وسطية. دخلت القوى النيابية إلى الجلسة وهي تعرف أن التفاهم غير مكتمل، وأن أي خلاف على ترتيب البنود قد يكون كافياً لتفجيرها.
الأكثر دلالة كان الانقسام داخل الساحة السنية نفسها. فريق رفض الصيغة الحالية، معتبراً أنها تفرض شروطاً وقيوداً تقلّص عدد المستفيدين، ولا تعالج بصورة عادلة أو شاملة ملفات الموقوفين والمحكومين الإسلاميين. وطالب هذا الفريق بتسهيل إخلاءات السبيل، وإزالة الشروط التي تحدّ من الاستفادة من العفو، وتعديل أحكام الإعدام الصادرة في بعض الملفات، وعدم استثناء قضية الشيخ أحمد الأسير من أي تسوية محتملة.
في المقابل، اختار فريق سنّي آخر المشاركة في الجلسة والدفاع عن إقرار القانون، ولو بصيغة غير مكتملة، انطلاقاً من أن عفواً جزئياً يسمح بخروج عدد من الموقوفين يبقى أفضل من إسقاط القانون بالكامل. وبين من طالب بعفو أوسع ومن فضّل الحصول على الممكن، تشتّت الموقف السنّي وضاعت القدرة على فرض صيغة موحدة.
وزاد الإفراج عن الفنان فضل شاكر من حساسية الملف، إذ أعاد قضية أحمد الأسير إلى صدارة النقاش السياسي والشعبي، ورفع سقف المطالب بشموله بأي قانون عفو. وهكذا تحوّل اسم الأسير من ملف قضائي إلى عقدة سياسية وطائفية، وبات معياراً أساسياً في تحديد المواقف المؤيدة للقانون أو الرافضة له.
وسط هذا المشهد، برز تقاطع لافت بين «القوات اللبنانية» وكتلة «الاعتدال الوطني» في رفض تمرير الصيغة الحالية، على أساس أنها لا تعكس ما جرى التفاهم عليه قبل الجلسة. وهذا التقاطع لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كشف عن إعادة تموضع سياسي داخل الملف، وعن محاولة لتشكيل جبهة ضغط تدفع نحو تعديل الصيغة قبل طرحها مجدداً.
ومع سقوط النصاب، بدأت معركة تحميل المسؤوليات. نواب من حركة «أمل»، إلى جانب بعض النواب السنّة، اتهموا «القوات» بتطيير الجلسة وتعطيل العفو. أما «القوات» فردّت بأن المشكلة لا تكمن في انسحاب نوابها، بل في الإصرار على إبقاء العفو خلف بند خلافي يمكن أن يستهلك الجلسة ويسقطها قبل الوصول إليه.
النائب جورج عدوان دافع عن موقف كتلته، مؤكداً أن مطلب تقديم قانون العفو كان يهدف إلى ضمان مناقشته وإقراره، لا إلى تعطيله. كما أعلن أن «القوات» تؤيد الصيغة التي تطالب بها الكتل السنية المعترضة، وأنها مستعدة للمشاركة في أي جلسة جديدة تُعقد لإقرار القانون.
لكن بعيداً من الاتهامات والردود، تطرح الجلسة سؤالاً أكثر أهمية: هل تريد القوى السياسية فعلاً إقرار قانون للعفو العام، أم أنها تريد الاحتفاظ به ورقةً للمساومة واستقطاب الشارع وشدّ العصب الطائفي عشية الاستحقاقات المقبلة؟
فلو كان الهدف إنسانياً وتشريعياً بحتاً، لكان ممكناً الاتفاق مسبقاً على صيغة واضحة، وتحديد الفئات المشمولة والاستثناءات والمعايير، وتخصيص جلسة مستقلة لمناقشة القانون بعيداً من البنود الخلافية. أما أن يُترك العفو معلّقاً بين إلغاء عقوبة الإعدام وملف أحمد الأسير والانقسام السنّي والخلاف مع رئاسة المجلس، فهذا يعني أن القانون تحوّل من معالجة لأزمة السجون والتوقيفات الطويلة إلى أداة في صراع النفوذ والتوازنات.
ما حدث ليس مجرد فقدان للنصاب، بل فقدان للثقة بين القوى السياسية، وفقدان للقدرة على فصل العدالة عن الحسابات الطائفية والانتخابية. وبينما يتبادل النواب الاتهامات، يبقى آلاف الموقوفين والمحكومين وعائلاتهم أسرى الانتظار، في دولة تستطيع فتح ملفاتهم عند الحاجة إلى التصعيد، ثم إغلاقها عندما تنتهي جولة المساومات.
لقد طار نصاب الجلسة، لكن الأخطر أن تضيع معه فرصة معالجة ملف قضائي وإنساني بالغ الحساسية. فالعفو العام لا يجوز أن يكون مكافأة سياسية لفئة، ولا تسوية انتخابية على حساب العدالة، ولا عنواناً لاستثارة الغرائز الطائفية. المطلوب قانون متوازن يراعي حقوق الموقوفين والمتضررين معاً، ويستند إلى معايير قانونية عادلة، لا إلى ميزان القوى داخل المجلس.
إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى قانون العفو عالقاً على أبواب البرلمان؛ يُستدعى عند الحاجة إلى التفاوض، ويُرحّل عند ساعة القرار. أما الجلسة التي فقدت نصابها، فقد كشفت حقيقة يصعب تجاهلها: في لبنان، لا يكفي أن يكون القانون عادلاً كي يُقرّ، بل يجب أولاً أن ينجو من كمائن السياسة.

