بقلم: د. ميراي زيادة
تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة مختلفة، لم يعد عنوانها الأساسي الضربة العسكرية بقدر ما أصبح الضغط الاقتصادي والمالي والنفطي، مقابل إعادة طهران تنشيط أوراق نفوذها الإقليمي، وفي مقدمتها الساحة العراقية.
المقاربة الأميركية الجديدة تنطلق، وفق القراءة المطروحة، من تجربة فنزويلا، حيث أثبت الضغط على مفاصل الاقتصاد والطاقة قدرة أكبر على تغيير موازين القوى من المواجهة العسكرية المفتوحة. ومن هنا، يبدو أن واشنطن تسعى إلى نقل هذا المنطق إلى إيران عبر تضييق منافذها المالية والتجارية والنفطية، ورفع كلفة استمرار المواجهة على الاقتصاد الإيراني وعلى تماسك النظام في الداخل.
فالرهان الأميركي يقوم على أن ما لم تحققه القوة العسكرية قد يحققه الاستنزاف الاقتصادي: إضعاف قدرة طهران على تمويل نفوذها الخارجي، وزيادة الضغوط الداخلية، ودفعها في النهاية إلى الاختيار بين العودة إلى التفاوض بشروط جديدة أو مواجهة أزمة أكثر عمقاً.
لكن طهران لا تقف في موقع المتلقي. فبالتوازي مع الإشارات الدبلوماسية والاتصالات الإقليمية، تعود إيران إلى استخدام أوراقها التقليدية، وفي مقدمتها العراق.
وتأتي إعادة انتشار فصائل من «الحشد الشعبي» على الحدود العراقية–السورية، والحديث عن تحركات محتملة باتجاه الحدود مع الأردن والسعودية، في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً مع سعي الحكومة العراقية إلى تكريس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم علاقتها مع الفصائل المسلحة.
وهنا تكمن أهمية المشهد: العراق قد يتحول مجدداً من مساحة تواصل بين إيران والعالم العربي إلى ورقة تفاوض في المواجهة بين طهران وواشنطن.
فكلما اشتد الحصار على إيران، ازدادت أهمية أوراقها الإقليمية؛ وكلما تحركت هذه الأوراق، ارتفعت كلفة المواجهة بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة.
وبذلك، تبدو الرسالة الإيرانية مزدوجة: طهران مستعدة لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه تريد التأكيد أن أي ضغط عليها لن يبقى محصوراً داخل حدودها، وأن العراق وسوريا وامتداداتهما الإقليمية لا تزال جزءاً من ميزان القوة والمساومة.
المواجهة إذاً لم تنتهِ، بل تغير شكلها: واشنطن تحاصر من الخارج، وطهران تحرّك أوراقها في الإقليم، وبينهما يصبح الاقتصاد والنفط والحدود ساحات المعركة الجديدة.

