بقلم: د. ميراي زيادة
يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة قد تكون من الأصعب منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019. فبعد سنوات من الانهيار النقدي والمصرفي وتراجع القدرة الشرائية والاستثمار، جاءت الحرب لتضيف إلى الأزمة البنيوية صدمة اقتصادية جديدة، هذه المرة مرتبطة مباشرة بالأمن والدمار وتعطل القطاعات الإنتاجية.
وتكشف التوقعات الواردة في تقرير «ستاندرد آند بورز غلوبال» حجم هذا التحول. فبعدما كانت التقديرات في شباط 2026 تشير إلى إمكانية تسجيل نمو حقيقي بنحو 3%، تحولت التوقعات في آب إلى انكماش بنسبة 8.6%. أي أن الفارق بين السيناريوهين يتجاوز 11 نقطة مئوية خلال أشهر قليلة.
لكن الأهم من رقم 2026 هو المسار الذي ترسمه التوقعات حتى عام 2029: انكماش حاد في السنة الحالية، يليه نمو بنحو 3.5% في 2027، و2% في 2028، و2.5% في 2029.
للوهلة الأولى، توحي عودة الأرقام إلى المنطقة الإيجابية بأن الاقتصاد سيتجاوز الصدمة سريعاً. لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تقول شيئاً مختلفاً: لبنان قد يعود إلى النمو، من دون أن يكون قد عاد فعلياً إلى مستوى ما قبل الحرب أو ما قبل أزمة 2019.
2026: عندما يخسر الاقتصاد جزءاً من حجمه
انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 8.6% خلال سنة واحدة يعني أن لبنان لا يواجه تباطؤاً عادياً، بل صدمة واسعة تطاول القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
فالقطاعات الأكثر حساسية للوضع الأمني، وفي مقدمها السياحة والخدمات والتجارة والزراعة، تتأثر سريعاً بالحرب. وإلى ذلك تضاف الخسائر الناجمة عن تضرر البنية التحتية والمنشآت والمساكن، والنزوح، وتعطل الأعمال، وتراجع حركة الاستثمار والاستهلاك.
لكن هذه الصدمة لا تبقى محصورة في المؤسسات والشركات. فهي تنتقل مباشرة إلى المواطن.
عندما يتراجع النشاط الاقتصادي، تتراجع قدرة المؤسسات على التوظيف ودفع الأجور والتوسع، فيما ترتفع مخاطر إقفال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومع انخفاض الدخل وفرص العمل، ينخفض الاستهلاك، فتتراجع مبيعات المؤسسات مجدداً، ما يخلق دائرة اقتصادية سلبية يصعب كسرها إذا استمرت الحرب.
والدولة بدورها ليست بعيدة عن هذه الحلقة. فتراجع النشاط يعني انخفاض الإيرادات الضريبية والرسوم، في الوقت الذي ترتفع فيه حاجاتها إلى الإنفاق الاجتماعي والإغاثة وإصلاح البنية التحتية. وهكذا يصبح الضغط مضاعفاً على المالية العامة.
هل يعني نمو 2027 أن الأزمة انتهت؟
تتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن يسجل الاقتصاد نمواً بنحو 3.5% عام 2027. الرقم إيجابي، لكنه يحتاج إلى تفسير دقيق.
فالاقتصاد الذي يخسر 8.6% ثم ينمو 3.5% لا يعود إلى النقطة التي انطلق منها.
وهنا يظهر ما يعرف اقتصادياً بـتأثير القاعدة المنخفضة (Base Effect). فإذا كانت سنة المقارنة شديدة السوء، يصبح تحقيق نسبة نمو إيجابية في السنة التالية أسهل حسابياً، حتى لو بقي الحجم الإجمالي للاقتصاد أدنى بكثير من مستواه السابق.
بمعنى أكثر بساطة: إذا هبط الاقتصاد من مستوى 100 إلى 91.4، ثم نما 3.5%، فإنه يصل إلى نحو 94.6 فقط، وليس إلى 100.
وهذه نقطة أساسية في قراءة المرحلة المقبلة، لأن الأرقام الإيجابية قد تظهر قبل أن يشعر المواطن فعلياً بالتعافي.
قد ترتفع حركة البناء، وتعود بعض المؤسسات إلى العمل، ويتحسن النشاط السياحي والتجاري، لكن استعادة الوظائف والدخل والاستثمار والثقة تحتاج عادة إلى وقت أطول.
إعادة الإعمار: فرصة اقتصادية ضخمة ولكن بشروط
المحرك الأساسي المحتمل للتعافي بعد الحرب سيكون إعادة الإعمار.
فترميم الطرق والبنية التحتية والمنازل والمنشآت وتحريك قطاع البناء وزيادة الطلب على المواد والخدمات تستطيع ضخ أموال كبيرة في الدورة الاقتصادية وخلق وظائف وتحريك قطاعات مرتبطة بها.
لكن هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليات في مستقبل لبنان الاقتصادي: هل تتحول إعادة الإعمار إلى مجرد إنفاق لتعويض ما دمرته الحرب، أم تصبح مدخلاً لإعادة هيكلة الاقتصاد؟
الفارق بين الأمرين كبير.
إعادة بناء منزل مدمر ترفع النشاط الاقتصادي، لكنها تعيد إلى الاقتصاد أصلاً كان موجوداً أصلاً. أما الاستثمار في الطاقة والنقل والبنية الرقمية والمؤسسات والقطاعات الإنتاجية، فيرفع القدرة المستقبلية للاقتصاد على خلق قيمة وفرص عمل.
لذلك، فإن حجم الأموال التي ستدخل لبنان ليس العامل الوحيد المهم، بل طريقة استخدامها وإدارتها.
2028 و2029: الأرقام الأكثر دلالة
ربما تكون توقعات عامي 2028 و2029 أكثر أهمية من توقعات 2027.
فبعد النمو المتوقع بنسبة 3.5% في السنة الأولى من التعافي، ينخفض النمو المتوقع إلى 2% ثم 2.5%.
وهذا يعني أن الاندفاعة الناتجة عن انتهاء الحرب وإعادة الإعمار قد تفقد زخمها سريعاً، ليعود الاقتصاد إلى معدلات نمو متواضعة.
وهنا تظهر المشكلة البنيوية القديمة.
فلبنان لا يحتاج فقط إلى أموال جديدة، بل إلى بيئة تسمح لهذه الأموال بالبقاء والاستثمار والإنتاج. وهذا يرتبط بإصلاح القطاع المصرفي، واستعادة الثقة بالنظام المالي، وتحسين المالية العامة، وتطوير الإدارة، وإصلاح قطاع الكهرباء، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتوفير بيئة قانونية وقضائية أكثر استقراراً للمستثمر.
من دون ذلك، قد يحصل لبنان على انتعاش مؤقت من إعادة الإعمار من دون بناء نمو مستدام.
الأمن أصبح جزءاً من المعادلة الاقتصادية
لم يعد ممكناً فصل المسار الاقتصادي اللبناني عن المسار الأمني.
فالسائح لا يأتي إلى بلد يخشى فيه اندلاع الحرب، والمستثمر لا يضع رأسماله في بيئة لا يستطيع تقدير مخاطرها، والمؤسسات الدولية والدول المانحة تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار قبل تمويل مشاريع طويلة الأجل.
ولهذا فإن توقعات التعافي ترتبط بشرط أساسي هو توقف الأعمال العدائية الواسعة واستعادة قدر من الاستقرار.
وأي تجدد واسع للمواجهة قد يؤدي إلى تعديل هذه الأرقام مجدداً، كما حدث عندما انتقلت التوقعات خلال أشهر من نمو 3% إلى انكماش 8.6%.
وبالتالي أصبح الاستقرار الأمني نفسه أصلاً اقتصادياً: كلما ارتفعت درجة الاستقرار، انخفضت المخاطر وتحسنت فرص الاستثمار؛ وكلما ارتفعت المخاطر الأمنية، ارتفعت كلفة التمويل والاستثمار وتراجعت الثقة.
المشكلة الأكبر: لبنان لم يتعافَ أصلاً من أزمة 2019
هناك بعد آخر يجعل الأزمة الحالية أكثر خطورة.
فالحرب لم تصب اقتصاداً سليماً، بل اقتصاداً كان لا يزال يحاول التعامل مع نتائج انهيار بدأ عام 2019: أزمة مصرفية، تراجع كبير في قيمة العملة، خسائر مالية ضخمة، ضعف الاستثمار، هجرة الكفاءات وتراجع الثقة بالمؤسسات.
وهذا يعني أن لبنان يدخل مرحلة إعادة الإعمار وهو يحمل أعباء أزمة سابقة لم تُحل بالكامل.
لذلك، فإن مجرد العودة إلى معدلات نمو إيجابية لا تكفي. المطلوب هو معالجة الخلل الذي كان موجوداً قبل الحرب، وإلا فإن الاقتصاد قد يعيد إنتاج نقاط ضعفه نفسها بعد انتهاء مرحلة الإعمار.
المواطن قد يكون آخر من يشعر بالتعافي
من الأخطاء الشائعة مساواة ارتفاع الناتج المحلي بتحسن فوري في مستوى معيشة الناس.
قد ينمو الاقتصاد فيما تبقى البطالة مرتفعة. وقد ترتفع الاستثمارات من دون أن ترتفع الأجور بالمعدل نفسه. وقد يتحسن الناتج فيما تستمر تكاليف السكن والتعليم والصحة والخدمات في الضغط على الأسر.
ولهذا يجب قياس نجاح مرحلة التعافي ليس فقط بنسبة نمو الناتج، بل أيضاً بقدرتها على خلق وظائف، وتحسين الدخل الحقيقي، وخفض الفقر، وإعادة بناء الطبقة الوسطى.
فالاقتصاد لا يتعافى فعلياً عندما تتحسن الجداول الإحصائية فقط، بل عندما ينعكس التحسن على حياة الناس.
من يمول إعادة الإعمار؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية: من أين ستأتي الأموال؟
توقعات النمو الإيجابي تفترض وجود تدفقات مالية لإعادة الإعمار. لكن حجم هذه التدفقات وشروطها وتوقيتها ستحدد سرعة التعافي.
وسيكون لبنان أمام تحدٍ مزدوج: إقناع المجتمعين العربي والدولي بالمساهمة في إعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه إثبات قدرته على إدارة هذه الأموال ضمن مؤسسات تتمتع بالشفافية والمساءلة.
وهنا يصبح الإصلاح ليس مطلباً منفصلاً عن الإعمار، بل شرطاً لجذب جزء من التمويل المطلوب له.
فكلما ارتفعت الثقة بالدولة والمؤسسات، أصبحت تعبئة الأموال والاستثمارات أسهل. وكلما بقيت الإصلاحات معلقة، ارتفعت مخاطر تأخر التمويل أو محدوديته.
معركة لبنان ليست على نسبة النمو بل على شكل الاقتصاد المقبل
خريطة 2026-2029 تقول إن لبنان قد ينتقل من انكماش حاد إلى التعافي، لكن الطريق بين الاثنين ليس مضموناً.
السيناريو الإيجابي يحتاج إلى ثلاثة عناصر مترابطة: استقرار أمني، وتمويل لإعادة الإعمار، وإصلاح اقتصادي ومؤسساتي حقيقي.
غياب الاستقرار يهدد الاستثمار. غياب التمويل يؤخر الإعمار. وغياب الإصلاح يجعل أي انتعاش مؤقتاً وقابلاً للتراجع.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل لبنان اليوم ليس فقط: كم ستكون نسبة النمو في 2027 أو 2029؟
السؤال الأهم هو: أي اقتصاد يريد لبنان أن يبني بعد الحرب؟
فالعودة إلى نقطة ما قبل الحرب ليست كافية إذا كانت تلك النقطة نفسها جزءاً من أزمة بدأت عام 2019. والفرصة الحقيقية تكمن في أن تتحول إعادة الإعمار من مشروع لترميم الحجر إلى مشروع لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والثقة.
عندها فقط يصبح النمو بداية تعافٍ حقيقي، لا مجرد ارتفاع رقمي بعد سقوط كبير.

