دخل التصعيد الأميركي–الإيراني مرحلة جديدة من «المناوشات المحسوبة»، مع عودة الضربات العسكرية المباشرة بالتوازي مع انتقال واشنطن إلى استراتيجية تقوم أساساً على تشديد الخناق الاقتصادي على طهران.
فقد استأنفت الولايات المتحدة، الأحد، ضرباتها داخل إيران، مستهدفة منصتي إطلاق في جزيرة الرك عند مضيق هرمز، في أول عملية أميركية معروفة منذ أواخر تموز. وبحسب الرواية الأميركية، جاءت الضربة بعد رصد عناصر من الحرس الثوري يستعدون لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية باتجاه المضيق، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن انفجارات وسقوط قتلى وجرحى.
الرد الإيراني لم يتأخر. فقد أعلنت طهران استهداف قواعد عسكرية أميركية في الأردن قالت إنها استُخدمت في الهجوم، فيما أعلن الحرس الثوري إسقاط مسيّرة أميركية في أجواء مضيق هرمز. وتزامن ذلك مع الإعلان عن إصابة ناقلة نفط عملاقة بعد اصطدامها بلغمين بحريين في المضيق، ما يعيد أمن الملاحة والطاقة إلى صدارة المواجهة.
لكن الأهم في هذا التصعيد ليس حجم الضربات بقدر ما يكشفه من تبدّل في طبيعة المواجهة. فالولايات المتحدة لا تبدو متجهة، في المرحلة الحالية، إلى حرب عسكرية واسعة، بل إلى إبقاء القوة العسكرية كأداة ردع وضغط موازية لـ«الحرب الاقتصادية». وتقوم المقاربة الأميركية على تشديد العقوبات ورفع كلفة التعامل التجاري مع إيران، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات من دون استنزاف عسكري طويل.
في المقابل، تبدو إيران متمسكة باستراتيجية الرد المحدود والمتعدد الجبهات، مع التركيز خصوصاً على مضيق هرمز والمصالح والقواعد الأميركية في المنطقة. وهنا تكمن حساسية جزيرة الرك، الواقعة عند واحد من أضيق أجزاء المضيق، وقرب مسارات حيوية لحركة ناقلات النفط.
المشهد إذاً لا يشير حتى الآن إلى عودة الحرب الشاملة، لكنه يكشف عن معادلة أكثر خطورة: ضغط اقتصادي أميركي يترافق مع ضربات عسكرية انتقائية، في مقابل ردود إيرانية محسوبة تمسّ القواعد الأميركية وأمن الملاحة.
وبذلك، تتحول «الحرب الاقتصادية» إلى مظلة لمواجهة عسكرية منخفضة الوتيرة، حيث يسعى الطرفان إلى رفع كلفة المواجهة على الآخر من دون تجاوز العتبة التي تفتح الباب أمام حرب واسعة. لكن في منطقة بحساسية مضيق هرمز، يبقى خطر الانزلاق قائماً، لأن ضربة محدودة أو استهداف ناقلة واحدة قد يكون كافياً لنقل الأزمة من سياسة الضغط المحسوب إلى مواجهة يصعب ضبط مسارها.

