بقلم د. ميراي زيادة
لم تكن الجولة الثالثة من المفاوضات الجارية في واشنطن بين لبنان وإسرائيل جولة تقنية عادية، ولا مجرد محاولة جديدة لتمديد الهدنة أو احتواء التصعيد جنوباً. ما جرى فعلياً أخطر بكثير.
للمرة الأولى منذ حرب تموز 2006، تدخل المنطقة مرحلة إعادة رسم البنية الأمنية والسياسية للبنان تحت رعاية أميركية مباشرة، وفي ظل تحولات إقليمية كبرى تضرب إيران، وتضع حزب الله أمام أخطر اختبار استراتيجي منذ تأسيسه.
المفاجأة لم تكن في تمديد الهدنة 45 يوماً، بل في ما تم خلف الكواليس:
إنشاء مسار أمني موازٍ للمسار السياسي، تقوده واشنطن عملياً من البنتاغون، وليس فقط من وزارة الخارجية الأميركية.
هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الجنوب اللبناني كجبهة تحتاج إلى تهدئة مؤقتة، بل كمنطقة تخضع لإعادة هندسة أمنية طويلة الأمد.
المسار السياسي يتحدث عن حدود، ترتيبات، تفاهمات وربما اتفاقات لاحقة.
أما المسار الأمني فهو المسار الحقيقي:
تنسيق غير مباشر، مراقبة ميدانية، قواعد اشتباك جديدة، دعم تنفيذي للجيش اللبناني، وآليات أمنية يجري بناؤها تدريجياً على الأرض.
الأخطر في كل ما طُرح هو الحديث عن إنشاء لواء جديد داخل الجيش اللبناني بتمويل وتجهيز وإشراف أميركي مباشر.
نحن هنا لا نتحدث عن مساعدات عسكرية تقليدية، بل عن محاولة لبناء قوة جديدة داخل المؤسسة العسكرية، يتم اختيار ضباطها وعناصرها وفق معايير دقيقة، لتكون “قوة موثوقة” قادرة على تنفيذ مهام حساسة مرتبطة بإدارة الجنوب ومنع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله.
لأن واشنطن انتقلت من مرحلة دعم الجيش اللبناني كرمز للدولة، إلى مرحلة بناء قدرة تنفيذية مرتبطة مباشرة بمشروع سياسي ـ أمني واضح.
المعادلة تغيّرت بالكامل.
في السابق، كان الحديث عن نزع سلاح حزب الله جزءاً من تسوية محتملة في المستقبل.
أما اليوم، فقد أصبح شرطاً مسبقاً لأي استقرار أو دعم أو إعادة إعمار أو حماية دولية للبنان.
وهنا تكمن حقيقة ما يجري.
واشنطن لم تعد ترى أن المشكلة مع الدولة اللبنانية، بل تعتبر أن المشكلة الأساسية هي وجود قوة عسكرية موازية للدولة. ولذلك، فإن كل الدعم المقبل للجيش والمؤسسات سيكون مشروطاً بخطة تنفيذية واضحة لمعالجة هذا الملف.
إسرائيل بدورها تعتبر أن اللحظة الحالية تاريخية.
فهي ترى أن حزب الله تعرض لاستنزاف كبير، وأن إيران تحت ضغط هائل، وأن الداخل اللبناني بدأ يميل أكثر نحو فكرة حصرية السلاح بيد الدولة، وأن هناك استعداداً لبنانياً غير مسبوق للدخول في تفاوض مباشر ولو بشكل غير معلن.
لهذا السبب، لم تعد أهداف إسرائيل تقتصر على وقف النار، بل أصبحت تتحدث عن:
تفكيك البنية العسكرية للحزب
إدارة أمنية جديدة لجنوب الليطاني
ترتيبات حدودية طويلة الأمد
وصولاً لاحقاً إلى اتفاقات أوسع قد تتحول تدريجياً إلى سلام
في المقابل، يشعر حزب الله أن ما يجري ليس مجرد تفاوض، بل محاولة لعزله داخلياً ودولياً، وإعادة بناء الدولة اللبنانية على قاعدة تتناقض مع دوره العسكري والأمني.
ولذلك بدأ الحزب يرفع سقف خطابه السياسي والإعلامي بشكل واضح.
اللافت أن إعلام الحزب لم يعد يستخدم تعبير “الدولة”، بل بدأ يستخدم كلمة “السلطة”، وكأن الرسالة تقول إن الحزب لم يعد يرى نفسه جزءاً من المشروع السياسي القائم، بل يعتبر أن هناك سلطة تنفذ شروطاً أميركية ـ إسرائيلية تحت عنوان الدولة.
وهنا تصبح المرحلة الحالية أخطر من الحرب نفسها.
لأن الحرب كانت مواجهة عسكرية واضحة.
أما اليوم، فالمواجهة أصبحت على هوية لبنان المقبلة، وعلى شكل الدولة، وعلى من يملك القرار الأمني النهائي داخل البلاد.
الأهم أن ما يجري بين بعبدا وعين التينة يكشف حجم الحساسية الداخلية.
عبارة الرئيس نبيه بري:
“أعطوني وقف النار والباقي علينا”، ليست تفصيلاً سياسياً عابراً.
بل تعني أن هناك استعداداً لضبط الأرض ومنع الانفجار، شرط وجود ضمانات حقيقية، وشرط التزام إسرائيل فعلياً بما يتم الاتفاق عليه.
أما السعودية، فتدخلها اليوم يتجاوز دعم الحكومة.
الرياض تدرك أن أي اهتزاز كبير في لبنان قد يفتح الباب أمام فوضى شاملة، وانهيار الدولة بالكامل، وربما انفجار داخلي طويل وخطير.
لهذا تبدو الرسالة السعودية واضحة: إما الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي… أو سقوط لبنان في مرحلة أخطر بكثير مما عرفه خلال السنوات الماضية.
لبنان دخل فعلياً مرحلة “ما بعد الحرب”.
لكنها ليست مرحلة سلام بعد، بل مرحلة إعادة تشكيل كاملة للتوازنات الأمنية والسياسية والعسكرية.
وما يجري اليوم في واشنطن ليس مجرد تفاوض على الحدود…
بل تفاوض على شكل لبنان المقبل.

