الرياض تدخل المشهد اللبناني: إدارة التوازن في لحظة مفصلية
بقلم د. ميراي زيادة
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرد تحرّك دبلوماسي سعودي عابر، بل لحظة إعادة تموضع إقليمي كاملة. فالسؤال الحقيقي لم يعد لماذا دخلت السعودية على الخط، بل لماذا الآن، وماذا تريد أن تمنع. في الظاهر، تبدو الصورة تقليدية: زيارة، لقاءات، دعم للاستقرار. لكن في العمق، نحن أمام محاولة واضحة لمنع انزلاق لبنان إلى حرب جديدة، وفي الوقت نفسه ضبط مسار التفاوض مع إسرائيل، وهنا تحديدًا تدخل الرياض لا كوسيط، بل كضامن توازن.
لأن ما يجري أخطر مما يبدو. هناك ضغط أميركي واضح، ومشروع إسرائيلي يسعى لفرض واقع ميداني جديد، فيما يحاول لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات، أن يستعيد موقعه كدولة لا كساحة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الرسالة السعودية بوضوح: لا تفاوض خارج المظلة العربية، ولا اندفاع نحو سلام منفرد مع نتنياهو، ولا استقرار من دون توازن داخلي متين.
وفي هذا السياق، يكتسب الحضور السعودي بعدًا أبعد من مجرد دعم سياسي، إذ يعيد إدخال لبنان في شبكة أمان عربية افتقدها لسنوات، مانحًا إياه ثلاث أوراق قوة أساسية: توازنًا في مواجهة الضغط الدولي، وشرعية للمسار الرسمي، وقدرة على مخاطبة واشنطن بلغة المصالح، خصوصًا في ظل إدارة ترامب. أما داخليًا، فالرسالة لا تقل وضوحًا: لا عزل لأي مكوّن، ولا انفجار داخلي، ولا سقوط للحكومة، وهو ما يفسّر الدعم المباشر لرئيس الحكومة نواف سلام، ليس فقط كشخص، بل كرمز لمسار الدولة ومحاولة تثبيت توازنها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اتفاق الطائف كعنوان جامع لا بديل عنه، ليس كخيار سياسي قابل للنقاش، بل كإطار وحيد قادر على إدارة التوازنات الداخلية ومنع الانزلاق نحو الفوضى. لكن، ورغم كل ذلك، لا يمكن قراءة ما يحدث على أنه عملية إنقاذ للبنان بقدر ما هو محاولة جدية لمنع سقوطه الكامل في صراعات المحاور.
وهنا تكمن لحظة الحقيقة: لبنان اليوم أمام مفترق حاسم، إما أن ينجح في إعادة تموضعه ضمن توازن عربي يمنحه هامش حركة واستقرار، وإما أن ينزلق مجددًا إلى ساحة مفتوحة لكل الصراعات. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل باتت على شكل الدولة التي ستبقى، وعلى القدرة في الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل، ضمن معادلة دقيقة عنوانها: لا حرب، ولا استسلام، بل توازن يُصنع بصعوبة.

