بقلم: الدكتورة ميراي زيادة
تلوح في الأفق مؤشرات توحي بأن طهران دخلت مرحلة “التقطير السياسي” في مقاربتها للملف النووي. بعض التنازلات تبدو مرتبطة باستقبال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأخرى تُقرأ من خلال إشارات استعداد لمنح تسهيلات أو إغراءات اقتصادية للولايات المتحدة.
لكن المسألة ليست تقنية فقط… بل عقائدية.
فالنظام الإيراني بُني سياسياً على سردية “مواجهة الشيطان الأكبر”، ما يجعل أي تنازل واسع لواشنطن خطوة حساسة داخلياً.
ومع ذلك، ثمة واقع لا يمكن تجاهله: العقوبات تخنق الاقتصاد، والمنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع كبرى.
ما الذي لا يزال عالقاً؟
من منظور واشنطن وتل أبيب، لا يكفي ضبط التخصيب النووي. هناك ملفان أساسيان ما زالا مطروحين على الطاولة:
برنامج الصواريخ الباليستية
السلوك الإقليمي عبر الوكلاء والميليشيات.
المناورات البحرية للحرس الثوري في مضيق هرمز تُقرأ أكثر كرسالة ردع رمزية، وليست تغييراً في موازين القوى. فإيران تدرك أن التصعيد العسكري المباشر مع الولايات المتحدة ليس خياراً واقعياً.
المعضلة الكبرى تكمن في رفض طهران تغيير سلوكها الإقليمي جذرياً.
لماذا الإصرار على شبكة الوكلاء والتدخل في الدول السيادية؟
لأن هذه الشبكة هي ورقة التفاوض الأقوى، وهي أيضاً أداة الردع غير التقليدي التي توازن بها الضغوط الدولية.
إذا قبلت إيران بتنازلات تدريجية لا سيما في الملف النووي ,قد نشهد رفعاً تدريجياً للعقوبات، أو على الأقل تخفيفاً مرحلياً يتيح لها التقاط أنفاسها اقتصادياً.
لكن إن بقي السلوك الإقليمي خارج أي تسوية، فإن “المنطقة الرمادية” ستبقى قائمة… وقد تتحول سريعاً إلى سوداء في أي لحظة اختلال.

