طيران الشرق الأوسط تحت المجهر.. والتاريخ يشهد
بقلم:د.ميراي زيادة
في بلد اعتاد الأزمات والحروب والانهيارات، لم تكن شركة طيران الشرق الأوسط مجرد ناقل جوي وطني، بل كانت في كثير من الأحيان شريان الحياة الذي أبقى لبنان متصلاً بالعالم عندما انقطعت الطرق السياسية والاقتصادية والأمنية.
لهذا السبب، فإن التدقيق الذي أطلقته المديرية العامة للطيران المدني في إجراءات السلامة لدى شركة طيران الشرق الأوسط يستحق المتابعة الجدية، لكنه لا يستحق الأحكام المسبقة ولا الحملات التي قد تزرع الشك في نفوس المسافرين قبل ظهور أي نتائج رسمية.
القضية بدأت بعد تقرير نشرته وكالة رويترز استند إلى مراسلات وملاحظات أثارها الاتحاد الدولي لرابطات طياري الخطوط الجوية، تناولت تشغيل رحلات خلال فترات شهدت المنطقة توترات أمنية وضربات عسكرية، إضافة إلى تساؤلات مرتبطة بطريقة التعامل مع بعض البلاغات المتعلقة بالسلامة الجوية.
وعلى أثر ذلك، أعلنت المديرية العامة للطيران المدني فتح تدقيق في إجراءات السلامة المعتمدة لدى الشركة. لكن من المهم التذكير منذ البداية بأن التدقيق لا يعني الإدانة، ولا يعني وجود مخالفات مثبتة، ولا يعني أن سلامة الطيران في لبنان باتت موضع شك. فالتدقيق في قطاع الطيران المدني إجراء طبيعي ومعتمد عالمياً، ويهدف إلى التحقق من الالتزام بالمعايير المهنية والتنظيمية وتعزيز الثقة بمنظومة السلامة.
وفي المقابل، نفت شركة طيران الشرق الأوسط بشكل واضح جميع الاتهامات التي أثيرت، مؤكدة أن تشغيل الرحلات خلال فترات التصعيد العسكري لم يكن قراراً منفرداً أو ارتجالياً، بل استند إلى تقييمات مخاطر مهنية أُعدّت بالتنسيق مع السلطات اللبنانية المختصة والطيران المدني والجهات المعنية.
كما أكدت الشركة أن اعتماد سياسة تقوم على وقف جميع الرحلات عند أي مستوى من المخاطر كان سيعني عملياً فرض حصار جوي على لبنان وعزله عن العالم الخارجي، وهو أمر كانت له تداعيات خطيرة على اللبنانيين في الداخل والخارج.
وتشير أرقام الشركة إلى أنها نفذت أكثر من اثنين وثلاثين ألف رحلة مجدولة منذ بداية عام 2025، بينما لم تخضع للمراجعة سوى أربع رحلات فقط من قبل دوائر السلامة والعمليات، نتج عنها عدد محدود من الرحلات التدريبية لعدد من الطيارين في إطار الإجراءات المهنية المعتمدة في صناعة الطيران حول العالم.
أما نقابة الطيارين اللبنانيين، فقد أكدت من جهتها أن السلامة الجوية تبقى خطاً أحمر وأولوية مطلقة، لكنها أشارت إلى أن المسائل المطروحة لا تقتصر على السلامة فقط، بل تشمل أيضاً ظروف العمل والحفاظ على الكفاءات اللبنانية والاستدامة التشغيلية ومستقبل القطاع، موضحة أن هذه الملفات مطروحة منذ فترة طويلة لدى الجهات الرسمية المختصة.
لكن بعيداً عن السجالات المتبادلة، يبقى السؤال الأهم: ما الهدف الحقيقي من هذا التحقيق؟
إذا كان الهدف تعزيز إجراءات السلامة والتحقق من التزام أفضل الممارسات الدولية، فإن ذلك يصب أولاً وأخيراً في مصلحة الشركة والمسافرين والدولة اللبنانية.
أما إذا تحولت القضية إلى منصة للتشكيك المسبق بمؤسسة وطنية قبل صدور أي نتائج رسمية، فإن الضرر سيلحق بصورة لبنان وثقة المسافرين بقطاعه الجوي أكثر مما سيلحق بأي طرف آخر.
وهنا لا بد من التوقف أمام حقيقة غالباً ما تغيب وسط الضجيج الإعلامي.
فشركة طيران الشرق الأوسط لم تكن يوماً مجرد شركة تجارية تبحث عن الأرباح. خلال الحروب والاعتداءات والأزمات والانهيار المالي وجائحة كورونا، كانت هذه الشركة من المؤسسات القليلة التي استمرت في العمل عندما غادر كثيرون الساحة اللبنانية. وهي التي أبقت أبواب لبنان مفتوحة على العالم عندما أغلقت شركات دولية رحلاتها وتوقفت عن تسيير طائراتها إلى بيروت.
هي التي أعادت المغتربين إلى وطنهم في أصعب الظروف.
وهي التي نقلت الطلاب والمرضى والعائلات والمسافرين عندما كانت الخيارات الأخرى شبه معدومة.
وهي التي حافظت على استمرارية الحركة الجوية اللبنانية في أكثر المراحل حساسية وخطورة.
ومن الظلم أن يُفتح هذا الملف من دون توجيه تحية صادقة إلى آلاف العاملين في هذه المؤسسة.
تحية إلى الطيار اللبناني الذي أثبت خلال عقود طويلة مستوى استثنائياً من الكفاءة والانضباط والاحتراف.
تحية إلى المهندسين والفنيين الذين يسهرون على سلامة الطائرات.
تحية إلى المضيفين والمضيفات وموظفي العمليات الأرضية والمراقبة والإدارات المختلفة الذين حافظوا على مستوى الخدمة والعمل رغم الظروف التي مر بها لبنان.
فهؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين، بل كانوا شركاء فعليين في حماية استمرارية المرفق الجوي اللبناني.
ومن هنا، فإن أي نقاش مهني حول إجراءات السلامة أو آليات العمل يجب أن يبقى ضمن الأطر المؤسساتية المختصة، لأن إثارة الذعر بين الركاب أو إعطاء الانطباع بأن سلامة الرحلات كانت موضع إهمال أمر لا تدعمه الوقائع المعروفة حتى الآن.
فحتى اللحظة، لم تصدر أي نتائج رسمية تدين الشركة أو تثبت وجود خلل جوهري في منظومة السلامة لديها. بل على العكس، تؤكد الشركة أن أنشطة الرقابة والتدقيق الأخيرة أثبتت التزامها بالمعايير التنظيمية والتشغيلية المعتمدة، فيما لا تزال الجهات المختصة تستكمل مراجعة النتائج النهائية.
وفي صناعة الطيران، تبقى السلامة هي المعيار الأول والأخير. وأي شركة تدرك أن رأس مالها الحقيقي ليس عدد طائراتها ولا حجم أرباحها، بل ثقة الركاب بها. وطيران الشرق الأوسط بنت هذه الثقة على مدى عقود طويلة من العمل في ظروف لم تواجهها كثير من شركات الطيران في العالم.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس التخوين ولا التهويل ولا التسويق للمخاوف قبل التحقق منها، بل انتظار نتائج التدقيق بشفافية وموضوعية، والسماح للمؤسسات المختصة بأداء دورها بعيداً عن الضغوط الإعلامية.
أما الحقيقة التي لا جدال فيها، فهي أن طيران الشرق الأوسط كانت ولا تزال إحدى قصص الصمود اللبنانية النادرة، وأن الطيارين والمهندسين والموظفين الذين حملوا اسم لبنان على أجنحة طائراتهم خلال أصعب السنوات يستحقون التقدير والاحترام.
وعندما ينتهي التحقيق وتظهر الحقائق كاملة، سيبقى المعيار واحداً: حماية سلامة المسافرين أولاً، وحماية مؤسسة وطنية نجحت لعقود في إبقاء لبنان حاضراً على خريطة العالم ثانياً.

