لبنان… حين يصبح التضخّم أخطر من انهيار العملة
بقلم: د. ميراي زيادة
للمرة الأولى منذ سنوات، يدخل لبنان مرحلة تضخّم مرتفع من دون انهيار جديد في سعر الصرف.
فالليرة مستقرة عند حدود 89,500 ليرة للدولار، ومع ذلك قفز معدّل التضخّم السنوي إلى 20.02%، فيما ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 3.04% خلال شهر نيسان وحده، في أعلى وتيرة تضخّم سنوية منذ أيلول 2024.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تكشف انتقال لبنان من أزمة نقدية إلى أزمة اقتصادية بنيوية مرتبطة مباشرة بالتحولات الجيوسياسية العالمية.
فالحرب الدائرة بين واشنطن وتل أبيب وطهران لم تبقَ في السياسة والعسكر فقط، بل انتقلت إلى الأسواق والطاقة والنقل وكلفة الحياة اليومية.
ورغم استقرار أسعار النفط نسبياً بين نهاية آذار ونهاية نيسان عند نحو 99 دولاراً لخام WTI و105 دولارات لخام برنت، إلا أنّ الاقتصاد اللبناني بقي يتلقى ارتدادات الصدمة النفطية واللوجستية التي أصابت المنطقة منذ بداية التصعيد.
الأرقام وحدها تكشف حجم التحول الخطير:
— مؤشر طاقة السكن ارتفع 14.06% خلال شهر واحد، و41.39% خلال عام.
— كلفة السكن الإجمالية ارتفعت 26.30% سنوياً.
— أسعار المطاعم والفنادق زادت 15.98%.
— المواد الغذائية والمشروبات لا تزال مرتفعة بنسبة 17.87% سنوياً رغم تراجعها الطفيف شهرياً بنسبة 0.47%.
أما المفارقة الاقتصادية الأكثر دلالة، فهي أنّ الأسعار واصلت الارتفاع رغم انخفاض المازوت بنسبة 1% والغاز بنسبة 11.5% خلال نيسان.
وهذا يعني أنّ لبنان دخل فعلياً مرحلة “التضخّم البنيوي”، حيث لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بسعر الدولار، بل بارتفاع كلفة الاستيراد والشحن والتأمين والطاقة، إضافة إلى غياب أي إصلاح اقتصادي أو شبكة حماية اجتماعية فعلية.
جغرافياً، تمدّد الغلاء إلى مختلف المناطق: بيروت (+2.02%)،
جبل لبنان (+2.71%)،
الشمال (+2.54%)،
الجنوب (+3.72%)،
النبطية (+3.97%)،
فيما سجّل البقاع أعلى نسبة ارتفاع بلغت 5.74%.
المشهد اليوم يتجاوز لغة الأرقام.
فاللبناني الذي استنزفته سنوات الانهيار المالي، يواجه الآن تضخّماً يأكل ما تبقى من قدرة شرائية، في وقت لا تزال فيه الأجور شبه ثابتة، والدولة عاجزة عن إنتاج أي سياسة اقتصادية فعلية.
لبنان لم يعد فقط ضحية أزمة داخلية، بل أصبح اقتصاداً مكشوفاً بالكامل أمام أي حرب إقليمية، وأي ارتفاع في النفط، وأي اهتزاز في الأسواق الدولية.
وفي بلد يعتمد على الاستيراد في معظم حاجاته الأساسية، تصبح كل أزمة عالمية فاتورة إضافية يدفعها المواطن اللبناني وحده.

