بقلم:د.ميراي زيادة
لم يعد الحديث الأميركي عن “اتفاقات أبراهام” مجرد استعادة لمسار دبلوماسي أطلقه ترامب عام 2020، بل أصبح جزءاً من خطاب سياسي جديد يتشكل فوق أنقاض الحرب الأميركية ـ الإيرانية ـ الإسرائيلية الأخيرة. فحين عاد ترامب ليشدد على ضرورة توسيع هذه الاتفاقات مباشرة بعد مرحلة التصعيد العسكري، بدا واضحاً أن واشنطن لا تتحدث عن تطبيع تقليدي بقدر ما تتحدث عن إعادة تركيب الشرق الأوسط نفسه.
فالمنطقة التي خرجت من أشهر من النار والتهديدات المتبادلة، لم تصل إلى لحظة انتصار حاسم لأي طرف. إيران بقيت حاضرة رغم الضربات، إسرائيل خرجت مثقلة بأعباء المواجهة المفتوحة، والولايات المتحدة اكتشفت مجدداً أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط قادرة على استنزاف الاقتصاد العالمي وتهديد أسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية. ومن هنا بدأ الانتقال الأميركي من منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى منطق تثبيت التوازنات السياسية الجديدة.
في هذا السياق تعود اتفاقات أبراهام إلى الواجهة.
هذه الاتفاقات التي وُقعت بين إسرائيل وعدد من الدول العربية برعاية أميركية لم تكن في جوهرها مجرد اتفاقات دبلوماسية لفتح السفارات أو إطلاق الرحلات الجوية، بل كانت منذ البداية مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى دمج إسرائيل داخل البنية السياسية والاقتصادية والأمنية للمنطقة. واشنطن أرادت من خلالها نقل إسرائيل من موقع “الكيان الخارج عن الجغرافيا العربية” إلى موقع الشريك الإقليمي الكامل ضمن منظومة جديدة من المصالح والتحالفات.
لكن الحرب الأخيرة أعطت هذه الاتفاقات بعداً أكثر عمقاً.
فالولايات المتحدة تدرك اليوم أن الشرق الأوسط دخل مرحلة يصعب فيها استمرار الحروب الطويلة. العالم يعيش تحت ضغط الطاقة، وأسواق النفط لم تعد تتحمل صدمات متتالية، فيما أصبحت الممرات البحرية والخليجية جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي الدولي. لذلك لم يعد المطلوب فقط احتواء الصراع، بل إعادة تنظيمه ضمن شبكة تفاهمات تمنع الانفجار الكبير وتحافظ في الوقت نفسه على موازين القوة القائمة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار ترامب على إعادة إحياء اتفاقات أبراهام الآن تحديداً. فالإدارة الأميركية ترى أن ما بعد الحرب يجب أن يكون مرحلة توسيع التحالفات الإقليمية، لا مرحلة تفكيكها. وهي تعتبر أن إدخال دول جديدة إلى هذا المسار، وفي مقدمتها السعودية، سيؤسس لمحور سياسي ـ اقتصادي ـ أمني قادر على إدارة التوازن مع إيران من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة كل مرة.
لكن هذه الرؤية لا تمر من دون اعتراضات عميقة.
فالانتقادات التي رافقت الاتفاقات منذ انطلاقتها عادت بقوة بعد الحرب. جزء واسع من الصحافة الغربية والعربية يعتبر أن اتفاقات أبراهام لم تُنتج سلاماً فعلياً بقدر ما أعادت ترتيب أولويات المنطقة. القضية الفلسطينية تراجعت إلى الخلف، بينما تقدمت الحسابات الأمنية والتحالفات الاستراتيجية إلى الواجهة. وبالنسبة إلى المنتقدين، فإن ما يجري ليس صناعة “شرق أوسط سلام”، بل بناء نظام إقليمي جديد تُدار فيه الأزمات بدل حلّها.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية.
فالشرق الأوسط الذي تحاول واشنطن تثبيته اليوم ليس شرق أوسط التسويات النهائية، بل شرق أوسط إدارة النفوذ:
إيران لا تُستأصل بل يُعاد احتواؤها،
إسرائيل لا تبقى معزولة بل تُدمج إقليمياً،
والدول العربية تتحول تدريجياً إلى جزء من شبكة مصالح أمنية واقتصادية متشابكة تتقدم فيها البراغماتية على الشعارات التقليدية.
لهذا تبدو اتفاقات أبراهام اليوم أكبر بكثير من مجرد اتفاقات تطبيع. إنها العنوان السياسي للمرحلة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها بعد الحرب: مرحلة تخفيض الحروب المباشرة، وضبط الصراع عبر التحالفات، وإعادة رسم المنطقة وفق توازنات جديدة تحكمها الطاقة والاقتصاد والأمن أكثر مما تحكمها الحدود التقليدية للصراع القديم.

