بقلم د. ميراي زيادة
عندما أُعلن “عيد المقاومة والتحرير” بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، كان المشهد السياسي في المنطقة مختلفاً بالكامل عمّا هو عليه اليوم. يومها، تعامل لبنان مع الحدث باعتباره تحوّلاً استراتيجياً كبيراً: إسرائيل تنسحب من معظم الجنوب بعد أكثر من عشرين عاماً من الاحتلال، من دون اتفاق سلام، ومن دون تسوية سياسية مباشرة، في سابقة اعتُبرت آنذاك تغييراً في قواعد الصراع في المنطقة.
لهذا السبب، لم يكن إعلان 25 أيار عيداً رسمياً مجرد خطوة رمزية، بل محاولة لتكريس رواية سياسية كاملة عنوانها أن خيار “المقاومة” نجح في فرض انسحاب إسرائيلي حيث فشلت المفاوضات والتسويات.
لكن بعد خمسةٍ وعشرين عاماً، تبدو الصورة مختلفة جذرياً.
عملياً، دخل لبنان منذ عام 2000 في معادلة سياسية وأمنية معقّدة، حيث بقي ملف السلاح خارج إطار الدولة محوراً دائماً للصراع الداخلي، إلى أن وصلت البلاد اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها الدولة اللبنانية نفسها تتحدث بوضوح عن حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وعن رفض أي واقع عسكري أو أمني خارج إطار القانون.
وهنا يظهر التناقض السياسي الأكبر في إحياء هذه المناسبة اليوم.
فلبنان لا يحتفل فقط بذكرى انسحاب إسرائيلي حصل قبل ربع قرن، بل يفعل ذلك في وقت تغيّرت فيه طبيعة المشهد بالكامل:المعادلات الإقليمية تبدّلت،النظرة الدولية إلى حزب الله تبدّلت،والدولة اللبنانية نفسها باتت تتعامل مع ملف السلاح من زاوية مختلفة تماماً عن مرحلة عام 2000.
وفي موازاة ذلك، عاد الجنوب اللبناني ليشهد واقعاً أمنياً وعسكرياً خطيراً بعد الحرب الأخيرة، مع سيطرة إسرائيل أو وجودها العسكري في ع 68 بلدة جنوبية، ما أعاد طرح أسئلة لم يكن لبنان يتوقع أن تعود بعد “التحرير”.
فما معنى الاحتفال بعيد التحرير فيما الدولة لا تزال عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة؟وما معنى استحضار لحظة عام 2000 فيما الجنوب عاد يعيش تحت التهديد العسكري المباشر؟وهل يكفي أن يتحوّل الانسحاب الإسرائيلي إلى ذكرى سنوية إذا كانت الدولة نفسها لم تستطع تحويل تلك اللحظة إلى استقرار سياسي وسيادي دائم؟
لهذا، يبدو 25 أيار اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إنه لم يعد فقط تاريخاً مرتبطاً بانسحاب إسرائيلي، بل تحوّل إلى مرآة تكشف التناقضات التي رافقت لبنان طوال ربع قرن:
بين مفهوم التحرير ومفهوم الدولة،
بين معادلة القوة ومعادلة الشرعية،
وبين لحظة الانتصار عام 2000 وواقع الانهيار والانقسام الذي يعيشه لبنان اليوم.

