بقلم:د.ميراي زيادة
ليست زيارة الوفد الإماراتي إلى بيروت مجرد حراك اقتصادي أو مناسبة لتوقيع مذكرات تفاهم، بل تحمل دلالات سياسية واستراتيجية أوسع. فالرسالة الأساسية تبدو واضحة: لبنان لم يُشطب من حسابات الخليج، لكن عودته إلى دائرة الاهتمام والاستثمار تبقى مرتبطة بقدرته على استعادة منطق الدولة والاستقرار والإصلاح.
الزيارة التي ترأسها وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، وشارك فيها نحو 80 من المستثمرين ورجال الأعمال، عكست جدية إماراتية في استكشاف فرص التعاون. وبعد توقيع اتفاقيات إطارية تمهّد لشراكات مستقبلية، انتقل الوفد إلى لقاءات سياسية شملت قصر بعبدا وعين التينة، في مؤشر إلى أن الاقتصاد هنا لا ينفصل عن قراءة مستقبل لبنان السياسي والأمني.
أهمية الزيارة يمكن قراءتها من ثلاث زوايا: الشكل والمضمون والتوقيت.
فمن حيث الشكل، يعكس حجم الوفد مستوى الاهتمام الإماراتي بالسوق اللبنانية.
ومن حيث المضمون، يبدو أن أبوظبي لا تنظر فقط إلى واقع لبنان الحالي، بل إلى الفرص التي يمكن أن تنشأ مستقبلاً، خصوصاً في المرافق البحرية والمرافئ والخدمات اللوجستية. فالاهتمام بالشاطئ اللبناني ينسجم مع استراتيجية إماراتية أوسع لتطوير شبكات وممرات تجارية وبحرية تربط الخليج بشرق المتوسط، ومنها نحو تركيا وأوروبا.
أما التوقيت، فهو الأكثر دلالة. فالتحرك يأتي فيما يقف لبنان أمام مرحلة قد تحمل تغيرات سياسية وأمنية مرتبطة بالمسار الذي ترعاه واشنطن، ومستقبل الوضع مع إسرائيل، وإمكان الانتقال إلى مستوى أعلى من الاستقرار. وإذا نجحت هذه المسارات، فقد تتغير القيمة الاستثمارية للبنان سريعاً، وتبرز فرص كبيرة في المرافئ والبنى التحتية والطاقة والسياحة والخدمات.
من هنا، يمكن قراءة التحرك الإماراتي باعتباره تموضعاً مبكراً وحجزاً لموقع في لبنان المحتمل، لا استثماراً في لبنان الراهن فقط. فالدول التي تفكر استراتيجياً لا تنتظر اكتمال التحولات كي تتحرك، بل تستكشف الفرص وتبني الشراكات قبل أن تبدأ دورة الاستثمار الكبرى.
لكن الرهان الإماراتي، إن وُجد، لا يكفي وحده. فعودة رأس المال الخليجي تحتاج إلى دولة قادرة على حماية الاستثمار، وإصلاح مؤسساتها، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني والقانوني والمالي.
وهنا تكمن الرسالة الأهم في الزيارة: الخليج يعيد النظر إلى لبنان كفرصة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى استثمارات فعلية يتوقف أولاً على لبنان نفسه. فإذا أحسن قراءة اللحظة وأجرى الإصلاحات المطلوبة، قد تكون الزيارة الإماراتية بداية عودة أوسع للاستثمار الخليجي. أما إذا بقيت الأزمات من دون حلول، فستبقى الفرص موجودة على الورق أكثر منها على الأرض.

