بقلم:د.ميراي زيادة
لا تكمن أهمية توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في 2026 في الرقم وحده، بل في ما يكشفه عن هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات. فاقتصاد كان مرشحاً لنمو يقارب 4% أصبح أمام انكماش حاد، فيما يقدّر البنك أن النزاع أفقد النمو المحتمل نحو 10.4 نقاط مئوية.
هذه الفجوة بين ما كان ممكناً وما أصبح متوقعاً تطرح خمس دلالات أساسية تتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة.
أولاً: الاستقرار أصبح أصلاً اقتصادياً
يعتمد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على قطاعات تقوم على الثقة: السياحة، الخدمات، الاستثمار والاستهلاك. وهذه القطاعات تتأثر بتوقع الخطر حتى قبل وقوعه.
فالسائح قد يلغي زيارته، والمستثمر يؤجل مشروعه، والأسرة تخفّض إنفاقها بمجرد ارتفاع مستوى عدم اليقين.
وهنا تكمن الدلالة الأولى: الاستقرار لم يعد مسألة أمنية فقط، بل شرطاً أساسياً للنمو وجذب الاستثمار.
ثانياً: الخطر هو دخول الاقتصاد في حالة انتظار
يحدد البنك الدولي السياحة والاستهلاك الخاص كقناتين رئيسيتين لتأثير النزاع. لكن المشكلة الأعمق هي توقف القرار الاقتصادي.
عندما يصبح المستقبل غامضاً، تؤجل المؤسسات التوظيف والتوسع، ويتردد المستثمرون، وتقلل الأسر إنفاقها.
وهكذا قد يتراجع الاقتصاد حتى في القطاعات التي لم تتضرر مباشرة. لذلك، فإن التحدي ليس فقط إعادة بناء ما تضرر، بل إعادة تحريك القرار الاقتصادي واستعادة الثقة بالمستقبل.
ثالثاً: الأزمة تكشف ضعف قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات
لبنان يدخل أزمة 2026 فيما قطاعه المصرفي لم يستعد وظائفه الطبيعية، وقدرة الدولة المالية على التدخل محدودة.
وهذا يجعل أي صدمة جديدة أكثر كلفة.
لذلك، فإن إصلاح القطاع المصرفي والمالية العامة لا يتعلق فقط بمعالجة إرث أزمة 2019، بل ببناء قدرة أكبر على مواجهة الأزمات المقبلة.
والسؤال الذي يجب أن يضاف إلى النقاش حول توزيع الخسائر هو: كيف نبني اقتصاداً لا يصبح شديد الهشاشة أمام كل صدمة جديدة؟
رابعاً: إعادة الإعمار ستكون اختباراً للمصداقية
سيحتاج لبنان في مرحلة ما بعد النزاع إلى تمويل خارجي، لكن السؤال الدولي لن يكون فقط: كم يحتاج لبنان؟ بل كيف ستُدار الأموال؟
فالشفافية، وفعالية المؤسسات، وتنفيذ الإصلاحات ستؤثر مباشرة في قدرة الدولة على جذب التمويل والاستثمارات.
وفي هذا المعنى، تصبح المصداقية نفسها شكلاً من أشكال رأس المال. فإعادة بناء الثقة بالمؤسسات قد تكون شرطاً أساسياً لتمويل إعادة بناء الاقتصاد.
خامساً: الامتحان الحقيقي اجتماعي
الانكماش بنسبة 6.4% لن يتوزع بالتساوي على اللبنانيين. فبعض القطاعات والفئات ستتحمل كلفة أكبر من غيرها.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم سيخسر الاقتصاد؟ بل من سيتحمل الخسارة؟
إذا وقعت الكلفة الأكبر على الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة، فقد تكون النتيجة مزيداً من الهجرة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفوارق الاجتماعية.
وهنا يكمن التحدي: تنفيذ الإصلاحات الضرورية من دون استنزاف المجتمع الذي يُفترض أن يحمل عملية التعافي.
أخطر ما يكشفه تقرير البنك الدولي ليس الانكماش بحد ذاته، بل ضيق قدرة لبنان على امتصاص الصدمات.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي يتجاوز إدارة أزمة 2026 إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود. فالدول لا تُقاس فقط بمعدلات نموها في زمن الاستقرار، بل أيضاً بقدرتها على حماية اقتصادها ومجتمعها عندما تتغير الظروف.

