بقلم :د. ميراي زيادة
في خضم النقاش الدائر حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومستقبل الودائع والمصارف في لبنان، اتخذ مصرف لبنان خطوة قد لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تستحقه، لكنها تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية ومالية كبيرة.
فبموجب القرارات الأساسية أرقام 13819 و13820 و13821 الصادرة بتاريخ 21 أيار 2026، بدأ المصرف المركزي فعلياً بوضع أسس سوق تمويل جديد يعمل إلى جانب القطاع المصرفي، وربما يشكل بديلاً جزئياً عنه خلال السنوات المقبلة.
الواقع أن الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 لم تؤدِ فقط إلى تجميد الودائع وضرب الثقة بالقطاع المصرفي، بل عطّلت أيضاً إحدى أهم وظائف المصارف، وهي منح القروض وتمويل الاقتصاد. فالقروض السكنية أصبحت شبه معدومة، والتمويل المخصص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، فيما باتت القروض المتاحة محصورة بفئات محددة جداً وقادرة على تقديم ضمانات مرتفعة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية القرار الأساسي رقم 13819 الذي أطلق نموذجاً جديداً تحت اسم “شركات التمويل”، ومنح هذه المؤسسات صلاحيات واسعة تشمل التمويل الاستهلاكي، وتمويل السكن، وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتأجير التمويلي، والائتمان الرقمي، إضافة إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية والإلكترونية الحديثة.
أما القراران 13820 و13821 فقد وضعا الآليات التنفيذية لدمج مؤسسات التمويل الأصغر ومكاتب التسليف ضمن النظام الجديد، بما يسمح بإنشاء قطاع مالي غير مصرفي أكثر تنظيماً وخضوعاً للرقابة.
الرسالة التي يوجهها مصرف لبنان من خلال هذه القرارات تبدو واضحة: إعادة هيكلة القطاع المصرفي لن تكون سريعة، والاقتصاد اللبناني لا يستطيع انتظار سنوات إضافية قبل استعادة حركة التمويل والاستثمار.
فبحسب خارطة الطريق التي أعلنها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، فإن مرحلة الإصلاح والاستقرار تمتد بين عامي 2026 و2027، تليها مرحلة إعادة هيكلة المصارف والدين العام بين عامي 2027 و2028، على أن تعود الوظيفة الطبيعية للائتمان بشكل تدريجي بين عامي 2028 و2030.
وهذا يعني أن البلاد تحتاج إلى قنوات تمويل بديلة خلال المرحلة الانتقالية، وهو تماماً ما تسعى إليه القرارات الجديدة.
لكن نجاح هذه المقاربة لن يكون مضموناً تلقائياً. فشركات التمويل، بخلاف المصارف، لا تستقبل الودائع، ما يجعل قدرتها على الإقراض مرتبطة بحجم رؤوس أموالها وقدرتها على جذب المستثمرين وتأمين مصادر تمويل مستدامة. كما أن نجاح التجربة يتطلب رقابة صارمة تمنع تكرار الأخطاء التي شهدها القطاع المالي في مراحل سابقة.
مع ذلك، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تشكل أول محاولة جدية لإعادة تشغيل عجلة الائتمان في لبنان بعيداً عن انتظار اكتمال إعادة هيكلة المصارف. فاقتصاد بلا تمويل هو اقتصاد عاجز عن النمو، وأي خطة إنقاذ حقيقية لا يمكن أن تنجح من دون إعادة فتح أبواب التمويل أمام الأفراد والمؤسسات المنتجة.
من هنا، لا يمكن النظر إلى القرارات 13819 و13820 و13821 على أنها مجرد تعديلات تنظيمية. إنها في الواقع بداية إعادة رسم للخريطة المالية اللبنانية، ومحاولة لخلق نظام تمويلي أكثر تنوعاً وقدرة على مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح شركات التمويل في سد الفراغ الذي تركته المصارف، أم أنها ستكون مجرد محطة انتقالية بانتظار عودة القطاع المصرفي إلى دوره الطبيعي؟
الأشهر والسنوات المقبلة كفيلة بالإجابة.

