spot_img
السبت, سبتمبر 5, 2026

من 1983 إلى 2005 إلى 2026… هل يكتب لبنان أخيراً نهاية “الساحة”؟

بقلم:د.ميراي زيادة

في تاريخ الدول، لا تُقاس اللحظات المفصلية بطولها، بل بقدرتها على كسر المسار وإعادة تعريفه. ومن هنا، يمكن اختصار التجربة اللبنانية بثلاث محطات حاسمة: 1983، 2005، و2026.

وبين هذه التواريخ، لم يتغيّر السؤال بقدر ما تغيّر شكله: هل يكون لبنان دولة… أم يبقى ساحة؟
في عام 1983، حاول لبنان أن يخطو نحو الاستقرار عبر اتفاقٍ سياسي وُلد في ظل الاحتلال.

غير أنّ هذا الاتفاق سقط سريعاً تحت ضغط التوازنات الإقليمية، ذلك أن القرار لم يكن لبنانياً بالكامل. وبالتالي، لم يكن الفشل عسكرياً فحسب، بل كان سيادياً بامتياز، حيث تبيّن أن أي مشروع لا ينبع من قرار وطني حرّ، مصيره السقوط مهما بدا واعداً.

ثم، في عام 2005، بدا المشهد مختلفاً. فقد شكّل اغتيال رفيق الحريري نقطة تحوّل كبرى أنهت حقبة الوصاية المباشرة. وعليه، خرج الجيش السوري، وارتفعت شعارات السيادة، واعتقد اللبنانيون أنهم أمام ولادة جديدة للدولة.
لكن، في المقابل، سرعان ما ظهرت حدود هذا التحوّل، إذ إن الاستقلال الذي تحقق كان ناقصاً، ولم يُترجم إلى سيادة فعلية مكتملة.

ذلك أن لبنان لم يخرج من منطق الارتهان، بل أعاد إنتاجه بصيغة مختلفة. فبعد مرحلة النفوذ المباشر في عهد حافظ الأسد، واستمراره بأسلوب أكثر مرونة في زمن بشار الأسد، انتقل البلد إلى مرحلة جديدة، حيث نشأ قرار موازٍ داخل الدولة، يربط لبنان بمحور إقليمي ويُبقيه عملياً ضمن منطق “الساحة”.
وهكذا، لم يُحسم السؤال… بل جرى تأجيله.

أما اليوم، في 2026، فإن هذا السؤال يعود بحدّة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب جوزاف عون ككلمة عابرة، بل كإشارة واضحة إلى محاولة كسر هذا المسار التاريخي.
فمن جهة، جاء الخطاب بلغة مباشرة غير مألوفة في الحياة السياسية اللبنانية، ومن جهة أخرى، سمّى الأمور كما هي: سيادة منقوصة، قرار مرتهن، ودولة مغيّبة.
وبخلاف ما اعتاده اللبنانيون، لم يلجأ الخطاب إلى التوازنات اللفظية أو المصطلحات الرمادية، بل اعتمد وضوحاً صادماً، الأمر الذي يجعله لحظة مختلفة.
إذ إن تسمية المشكلة بوضوح ليست تفصيلاً، بل شرط أساسي لمواجهتها.

ومن هنا، يبرز التحوّل الأعمق في مقاربة مسألة “المقاومة”.
فطوال سنوات، قامت معادلة واضحة: سلاح يحمي، ودور يعوّض ضعف الدولة، وانتماء يحقق توازناً إقليمياً.
غير أنّ هذه المعادلة نفسها بدأت تتآكل تدريجياً، حيث إن الحماية تحوّلت إلى استنزاف، والتعويض أصبح بديلاً دائماً عن الدولة، في حين تحوّل الارتباط الإقليمي إلى قيد يجرّ لبنان إلى صراعات لا يملك قرارها.

وبالتالي، لم يعد السؤال من يحمي، بل من يقرّر.
وهنا تحديداً، يطرح الخطاب معادلة معاكسة: لا حماية خارج الدولة، ولا استقرار مع ازدواجية القرار.

وعلى هذا الأساس، تتقدّم فكرة السيادة كشرط لا يمكن تجاوزه.
ففي الواقع، لا يمكن الحديث عن تحرير الأرض إذا كان القرار نفسه غير محرّر. وبناءً عليه، فإن السيادة ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً عملياً لأي دولة تسعى إلى الاستمرار.

ومن هذا المنطلق، يصبح واضحاً أن لبنان لا يستطيع البقاء في صيغة الشرعيتين، لأن هذه الازدواجية ليست توازناً، بل خللاً دائماً يهدّد بنية الدولة.

وبالعودة إلى المحطات الثلاث، يظهر الفارق بوضوح:
في 1983، سقط المشروع لأن القرار لم يكن لبنانياً.
وفي 2005، تعثّر المسار لأن الاستقلال بقي ناقصاً.
أما في 2026، فالمعركة مختلفة، إذ إنها لم تعد تتعلّق بالاحتلال المباشر، بل بتفكيك بنية الارتهان نفسها.

وفي ضوء ذلك، يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم:
إمّا أن يتحوّل هذا الطرح إلى مشروع دولة فعلي،
أو يُواجَه بالتعطيل والصدام،
أو يُعاد إنتاجه ضمن تسوية مؤقتة تؤجّل الأزمة ولا تحلّها.

لكن، في جميع الأحوال، ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها:
لم يعد بالإمكان الاستمرار كما كان.

Copyright © TOPSKY NEWS

ترامب يعلن السيطرة… وهرمز...

على عكس صورة «السيطرة» التي يروّج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مضيق هرمز، تكشف...

ترامب يعلن السيطرة… وهرمز يفرغ من السفن

على عكس صورة «السيطرة» التي يروّج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مضيق هرمز، تكشف الأرقام أن الملاحة تسير في الاتجاه المعاكس: أربع سفن...

في لبنان… المدرسة باتت للأغنياء؟

لم يعد السؤال في لبنان أيّ مدرسة نختار لأولادنا، بل هل ما زلنا قادرين على تعليمهم؟ مع الانفجار الكبير في الأقساط ودولرة معظم النفقات،...

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… وينقذ العالم من أزمتها

ما كان يُفترض أن يكون جزءاً من مشكلة الطاقة أصبح جزءاً من الحل. ففي ذروة أكبر صدمة طاقة منذ السبعينيات، لم تأتِ وسادة الإنقاذ...

سباق خطير مع نهاية «اليونيفيل»: لبنان يدخل مرحلة حاسمة

دخل لبنان مرحلة حاسمة قبل انتهاء مهمة «اليونيفيل» نهاية العام، وسط تحرك أميركي–فرنسي–سعودي–أردني لتأمين دعم طويل الأمد للجيش وتمكينه من الإمساك بالجنوب، بالتوازي مع...

في لبنان… المدرسة باتت للأغنياء؟

لم يعد السؤال في لبنان أيّ مدرسة نختار لأولادنا، بل هل ما زلنا قادرين على تعليمهم؟ مع الانفجار الكبير...

سباق خطير مع نهاية «اليونيفيل»:...

دخل لبنان مرحلة حاسمة قبل انتهاء مهمة «اليونيفيل» نهاية العام، وسط تحرك أميركي–فرنسي–سعودي–أردني لتأمين دعم طويل الأمد للجيش وتمكينه...

من يُقصي رجّي عن دبلوماسية...

تكشف معطيات سياسية أن تهميش وزير الخارجية يوسف رجّي لم يكن صدفة، بل بدأ بعد موقفه المتشدّد من السفير...

صندوق النقد يهزّ المصارف: إداراتها...

تتجه الأنظار إلى تطور بالغ الحساسية في ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مع معلومات عن توجّه صندوق النقد الدولي...

درع أخيل»… الصفقة العسكرية الأكبر بين إسرائيل واليونان تعيد رسم توازنات شرق المتوسط

درع أخيل»... الصفقة العسكرية الأكبر بين إسرائيل واليونان تعيد رسم توازنات شرق المتوسط بقلم: د.ميراي زيادة تتجاوز صفقة «درع أخيل» العسكرية بين إسرائيل واليونان حدود التعاون...

من فنزويلا إلى إيران… واشنطن تغيّر أدوات الضغط وطهران تحرّك ورقة العراق

بقلم: د. ميراي زيادة تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة مختلفة، لم يعد عنوانها الأساسي الضربة العسكرية بقدر ما أصبح الضغط الاقتصادي والمالي والنفطي، مقابل إعادة طهران...

لبنان بين انكماش 2026 وتعافي 2029: هل يعود الاقتصاد إلى النمو أم يبدأ من قاع جديد؟

بقلم: د. ميراي زيادة يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة قد تكون من الأصعب منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019. فبعد سنوات من الانهيار النقدي والمصرفي وتراجع...

درع أخيل»… الصفقة العسكرية الأكبر بين إسرائيل واليونان تعيد رسم توازنات شرق المتوسط

درع أخيل»... الصفقة العسكرية الأكبر بين إسرائيل واليونان تعيد رسم توازنات شرق المتوسط بقلم: د.ميراي زيادة تتجاوز صفقة «درع أخيل» العسكرية بين إسرائيل واليونان حدود التعاون...

من فنزويلا إلى إيران… واشنطن تغيّر أدوات الضغط وطهران تحرّك ورقة العراق

بقلم: د. ميراي زيادة تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة مختلفة، لم يعد عنوانها الأساسي الضربة العسكرية بقدر ما أصبح الضغط الاقتصادي والمالي والنفطي، مقابل إعادة طهران...

لبنان بين انكماش 2026 وتعافي 2029: هل يعود الاقتصاد إلى النمو أم يبدأ من قاع جديد؟

بقلم: د. ميراي زيادة يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة قد تكون من الأصعب منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019. فبعد سنوات من الانهيار النقدي والمصرفي وتراجع...

الإمارات تعود إلى لبنان… استثمار في مرحلة ما بعد التحولات؟

بقلم:د.ميراي زيادة  ليست زيارة الوفد الإماراتي إلى بيروت مجرد حراك اقتصادي أو مناسبة لتوقيع مذكرات تفاهم، بل تحمل دلالات سياسية واستراتيجية أوسع. فالرسالة الأساسية تبدو...

لبنان أمام اقتصاد النزاع: خمس دلالات تتجاوز رقم الانكماش

بقلم:د.ميراي زيادة لا تكمن أهمية توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% في 2026 في الرقم وحده، بل في ما يكشفه عن هشاشة الاقتصاد...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...