بقلم:د.ميراي زيادة
في تاريخ الدول، لا تُقاس اللحظات المفصلية بطولها، بل بقدرتها على كسر المسار وإعادة تعريفه. ومن هنا، يمكن اختصار التجربة اللبنانية بثلاث محطات حاسمة: 1983، 2005، و2026.
وبين هذه التواريخ، لم يتغيّر السؤال بقدر ما تغيّر شكله: هل يكون لبنان دولة… أم يبقى ساحة؟
في عام 1983، حاول لبنان أن يخطو نحو الاستقرار عبر اتفاقٍ سياسي وُلد في ظل الاحتلال.
غير أنّ هذا الاتفاق سقط سريعاً تحت ضغط التوازنات الإقليمية، ذلك أن القرار لم يكن لبنانياً بالكامل. وبالتالي، لم يكن الفشل عسكرياً فحسب، بل كان سيادياً بامتياز، حيث تبيّن أن أي مشروع لا ينبع من قرار وطني حرّ، مصيره السقوط مهما بدا واعداً.
ثم، في عام 2005، بدا المشهد مختلفاً. فقد شكّل اغتيال رفيق الحريري نقطة تحوّل كبرى أنهت حقبة الوصاية المباشرة. وعليه، خرج الجيش السوري، وارتفعت شعارات السيادة، واعتقد اللبنانيون أنهم أمام ولادة جديدة للدولة.
لكن، في المقابل، سرعان ما ظهرت حدود هذا التحوّل، إذ إن الاستقلال الذي تحقق كان ناقصاً، ولم يُترجم إلى سيادة فعلية مكتملة.
ذلك أن لبنان لم يخرج من منطق الارتهان، بل أعاد إنتاجه بصيغة مختلفة. فبعد مرحلة النفوذ المباشر في عهد حافظ الأسد، واستمراره بأسلوب أكثر مرونة في زمن بشار الأسد، انتقل البلد إلى مرحلة جديدة، حيث نشأ قرار موازٍ داخل الدولة، يربط لبنان بمحور إقليمي ويُبقيه عملياً ضمن منطق “الساحة”.
وهكذا، لم يُحسم السؤال… بل جرى تأجيله.
أما اليوم، في 2026، فإن هذا السؤال يعود بحدّة غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب جوزاف عون ككلمة عابرة، بل كإشارة واضحة إلى محاولة كسر هذا المسار التاريخي.
فمن جهة، جاء الخطاب بلغة مباشرة غير مألوفة في الحياة السياسية اللبنانية، ومن جهة أخرى، سمّى الأمور كما هي: سيادة منقوصة، قرار مرتهن، ودولة مغيّبة.
وبخلاف ما اعتاده اللبنانيون، لم يلجأ الخطاب إلى التوازنات اللفظية أو المصطلحات الرمادية، بل اعتمد وضوحاً صادماً، الأمر الذي يجعله لحظة مختلفة.
إذ إن تسمية المشكلة بوضوح ليست تفصيلاً، بل شرط أساسي لمواجهتها.
ومن هنا، يبرز التحوّل الأعمق في مقاربة مسألة “المقاومة”.
فطوال سنوات، قامت معادلة واضحة: سلاح يحمي، ودور يعوّض ضعف الدولة، وانتماء يحقق توازناً إقليمياً.
غير أنّ هذه المعادلة نفسها بدأت تتآكل تدريجياً، حيث إن الحماية تحوّلت إلى استنزاف، والتعويض أصبح بديلاً دائماً عن الدولة، في حين تحوّل الارتباط الإقليمي إلى قيد يجرّ لبنان إلى صراعات لا يملك قرارها.
وبالتالي، لم يعد السؤال من يحمي، بل من يقرّر.
وهنا تحديداً، يطرح الخطاب معادلة معاكسة: لا حماية خارج الدولة، ولا استقرار مع ازدواجية القرار.
وعلى هذا الأساس، تتقدّم فكرة السيادة كشرط لا يمكن تجاوزه.
ففي الواقع، لا يمكن الحديث عن تحرير الأرض إذا كان القرار نفسه غير محرّر. وبناءً عليه، فإن السيادة ليست شعاراً سياسياً، بل شرطاً عملياً لأي دولة تسعى إلى الاستمرار.
ومن هذا المنطلق، يصبح واضحاً أن لبنان لا يستطيع البقاء في صيغة الشرعيتين، لأن هذه الازدواجية ليست توازناً، بل خللاً دائماً يهدّد بنية الدولة.
وبالعودة إلى المحطات الثلاث، يظهر الفارق بوضوح:
في 1983، سقط المشروع لأن القرار لم يكن لبنانياً.
وفي 2005، تعثّر المسار لأن الاستقلال بقي ناقصاً.
أما في 2026، فالمعركة مختلفة، إذ إنها لم تعد تتعلّق بالاحتلال المباشر، بل بتفكيك بنية الارتهان نفسها.
وفي ضوء ذلك، يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم:
إمّا أن يتحوّل هذا الطرح إلى مشروع دولة فعلي،
أو يُواجَه بالتعطيل والصدام،
أو يُعاد إنتاجه ضمن تسوية مؤقتة تؤجّل الأزمة ولا تحلّها.
لكن، في جميع الأحوال، ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها:
لم يعد بالإمكان الاستمرار كما كان.

