spot_img
الأربعاء, أكتوبر 28, 2026

سنتان على “طوفان الأقصى”: الزلزال الذي أعاد كتابة تاريخ الشرق الأوسط

الرئيسيةخارجياتسنتان على "طوفان...

سنتان على “طوفان الأقصى”: الزلزال الذي أعاد كتابة تاريخ الشرق الأوسط

بقلم: د. ميراي زيادة

في مثل هذا اليوم من عام 2023، اهتزّ الشرق الأوسط على وقع زلزال لم تهدأ ارتداداته حتى اليوم.
لم يكن 7 أكتوبر 2023 مجرّد تاريخٍ في دفتر الحروب، بل لحظةً فاصلةً غيّرت معالم المنطقة بأكملها، وفتحت أبواب عصرٍ جديد من الصراعات والتحوّلات.
ذلك اليوم الذي سمّته إسرائيل “السبت الأسود”، كان بالنسبة إلى الفلسطينيين يومَ ردّ الاعتبار، وللعالم يومَ انكشاف الأسطورة الإسرائيلية، وللمنطقة بدايةَ زلزالٍ استراتيجيٍّ لم تتوقف موجاته حتى اللحظة.

ففي غضون ساعاتٍ قليلة، اخترقت “حماس” أقوى منظومة أمنية في الشرق الأوسط، مدمّرةً ركائز الردع الإسرائيلي، ومحوّلةً مشهد الصراع رأسًا على عقب.
وهكذا انهارت أسطورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى كتلةٍ من الخوف والارتباك، لتعيش إسرائيل للمرة الأولى منذ عام 1948 أزمة وجودٍ داخلية كشفت هشاشتها وحاجتها إلى دعمٍ خارجي مفتوح، خصوصًا من الولايات المتحدة.

على غرار ما فعله 11 سبتمبر الأميركي حين غيّر وجه العالم، جاء 7 أكتوبر الإسرائيلي ليُغيّر وجه الشرق الأوسط بأسره.
فإذا كان الحدث الأميركي قد أطلق “الحرب على الإرهاب”، فإنّ نظيره الإسرائيلي أطلق “الحرب على الوجود”.
ومن هنا، لم يعد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي شأنًا محليًا، بل تحوّل إلى تسونامي إقليميٍّ اجتاح كلّ الحدود من غزة إلى طهران.
وخلال عامين فقط، أعادت المنطقة رسم خريطتها السياسية والأمنية، إذ تهاوت أنظمة، وسقطت رؤوس، واحترقت أوراق، وبرزت ثلاث محطات مفصلية أعادت تركيب ميزان القوى:

في مقدمة هذه الأحداث، جاء اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كأقوى ضربةٍ تعرّض لها محور المقاومة منذ مقتل قاسم سليماني.
فقد شكّل نصرالله العصب السياسي والرمزي للمحور، ومع رحيله دخل الحزب في فراغٍ استراتيجيٍّ غير مسبوق.
ولم يكن الاغتيال ضربةً عسكريةً فحسب، بل زلزالًا نفسيًا وتنظيميًا أصاب بنية الحزب بالشلل.
وبينما دخل “حزب الله” الحرب تحت شعار “إسناد غزة”، وجد نفسه في مواجهة حرب استنزاف مفتوحة تجاوزت الخطوط الحمراء، وتسببت له بخسائر جسيمة بشريًا وماديًا ومعنويًا.
وبذلك تحوّلت المواجهة إلى أزمة وجودية تهدّد الحزب ودوره الإقليمي في آنٍ واحد.

وفي السياق نفسه، كان سقوط نظام بشار الأسد بمثابة انهيار العمود الفقري للمشروع الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت.
فقد انقطع بذلك الممرّ البريّ الذي شكّل لعقدين شريان الحياة لمحور المقاومة.
ومن ثمّ تحوّلت سوريا من قاعدةٍ للممانعة إلى ساحةٍ مفتوحة للتفاهمات الإسرائيلية – الروسية – الأميركية.

وبعبارةٍ أخرى، تغيّرت هوية سوريا بالكامل:
فبعدما كانت جزءًا من معادلة الصراع مع إسرائيل، أصبحت جزءًا من معادلة السلام البارد معها.
وهكذا، تهاوى أحد أهمّ أركان المحور الإيراني، فاختلّ التوازن الذي كان يمنحه قوته.

وبينما كانت دمشق تتهاوى، تلقّت طهران ضربتها الكبرى.
فقد أدّى استهداف منشآتها النووية إلى نسف أهمّ ورقة استراتيجية في يدها، وأجبرها على الانتقال من موقع الهجوم إلى موقع الدفاع عن الذات.
وبذلك تقلّصت طموحاتها من “قوة إقليمية مهاجمة” إلى دولةٍ منشغلةٍ بحماية أمنها الداخلي ونظامها من الانهيار.

وهكذا، ومع انهيار خطوطها الأمامية في لبنان وسوريا واليمن، وجدت إيران نفسها أمام مراجعةٍ قاسيةٍ لاستراتيجيتها، بعدما اكتشفت أنّ الحروب بالوكالة تحوّلت عبئًا عليها بدل أن تكون ذراعًا لها.
وفي المقابل، خرجت إسرائيل من “طوفان الأقصى” بثوبٍ جديد.
فقد وُلدت من رحم الصدمة إسرائيل أخرى، أكثر تطرّفًا وأقلّ خجلًا.
لم تعد تخفي وجهها العدواني، ولم تعد تجهد لتجميل صورتها كـ”واحة ديمقراطية في صحراء الاستبداد”.
بل تحوّلت إلى دولة حربٍ دائمة تشرّع القتل والتجويع والحصار كأدواتٍ سياسيةٍ مشروعة.

ومن هذا المنطلق، استثمرت حكومة نتنياهو في الدم الفلسطيني لتوحيد الداخل الإسرائيلي خلفها، معتبرةً أنّ “الفرصة التاريخية لتصفية القضية الفلسطينية قد حانت”.
وهكذا وضعت خططًا لترحيل سكان غزة، وضمّ الضفة الغربية، وتوسيع المستوطنات، وصياغة واقعٍ جديد لا عودة عنه.

وفي ظلّ هذه العقيدة، أعلن اليمين الإسرائيلي بوضوح:

“سنطيل الحرب كما نشاء، وسنضحّي بمن نحب من أجل من نخاف، وسنثبت أنّ إسرائيل لا تموت… بل تتوحّش.

غير أنّ محور المقاومة لم يُحسن قراءة المشهد الجديد.
فقد ارتكب خطأين استراتيجيين قاتلين:
أوّلهما عدم إدراك التحوّل الجذري في إسرائيل بعد 7 أكتوبر، وثانيهما الاستخفاف بحجم التدخّل الأميركي المباشر في الحرب، دعمًا وتسليحًا وتمويلاً واستخبارات.

إلى ذلك، جاءت الأخطاء التكتيكية لتعمّق المأزق:
ضعف الردّ على الاغتيالات المتتالية، والرهان الخاطئ على “سوريا الأسد” التي خرجت عمليًا من محور المقاومة، والعجز عن صدّ الهجمات الجوية على المنشآت الإيرانية.

نتيجةً لذلك، وجد المحور نفسه ينتقل من الهجوم إلى الدفاع، فيما وسّعت إسرائيل حربها إلى خمس جبهاتٍ متزامنة: غزة، لبنان، سوريا، اليمن، وإيران.

ومع استمرار الاستنزاف، بدأ ضوءٌ خافت يلوح في نهاية النفق.
فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته لوقف الحرب، متدرّجةً من وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى إلى إعادة إعمار غزة وصولًا إلى “حلّ الدولتين”.

إلّا أنّ هذه الخطة لم تأتِ بلا ثمن، إذ فرضت على “حماس” تسليم أقوى أوراقها السياسية – الرهائن – مقابل ضماناتٍ أميركيةٍ محدودة.
وفي المقابل، وعد ترامب بتوفير الحماية من الاحتلال الطويل، لكنّ ضماناته – كما عُرف عنه – لا تأتي من دون مقابلٍ باهظ
وفي هذا المشهد المتحرّك، كان لبنان الحلقة الأكثر تأثرًا.
فبعد غياب نصرالله وتراجع النفوذ الإيراني وانكفاء سوريا، بدأ الداخل اللبناني يعيش مرحلة إعادة تموضعٍ شاملة.
وبات الضغط الدولي واضحًا: لا إعمار، ولا دعم، ولا استقرار، من دون حصر السلاح بيد الدولة.
وبذلك، بات لبنان أمام مفترق مصيري:
فإمّا الانخراط في مشروع السلام الإقليمي الجديد،
وإمّا البقاء رهينة الحروب المفتوحة.

وعلى مشارف السنة الثالثة للحرب الإقليمية الكبرى، لا تبدو النيران قريبةً من الانطفاء.
فإسرائيل ما زالت تعبّئ جبهاتها الخمس، ونتنياهو أعلن صراحةً أنّ عام 2026 سيكون عام الحروب الكبرى، مؤكّدًا أنّ حكومته ستبقى “حكومة حرب” حتى إشعارٍ آخر.

لكن، وعلى الرغم من الدمار، يبرز سؤال جديد:
هل يقترب الشرق الأوسط من نهاية الحرب، أم أنّه يدخل مرحلة إعادة الولادة؟
فما بين “طوفان الأقصى” و”طوفان النار”، أعيد رسم خرائط النفوذ، وتبدّلت موازين القوة، وتغيّرت مفاهيم الردع والسيادة والتحالف.

في المحصلة، لم يكن “طوفان الأقصى” مجرّد مواجهةٍ فلسطينية – إسرائيلية، بل زلزالًا استراتيجيًا أعاد تشكيل الشرق الأوسط بأسره.
انهارت الأساطير، وتغيّرت الجغرافيا السياسية، وولدت إسرائيل جديدة، وتراجعت إيران، وتحوّل لبنان إلى ساحة اختبارٍ لمرحلةٍ ما بعد الحرب.

ربما تقترب الحرب من نهايتها، لكنّ الشرق الأوسط لم يبدأ بعد فصله الأخير؛
فهو يعيش لحظةَ تحوّلٍ عميقةٍ حيث تُكتب الجغرافيا بالحرب، وتُرسم المعادلات بالدم، وتُعاد كتابة التاريخ… من غزة إلى بيروت، ومن طهران إلى واشنطن.

Copyright © TOPSKY NEWS

تركيا تدخل على خط...

تركيا تدخل على خط الطاقة اللبنانية… وطرابلس أمام دور إقليمي جديد! هل تتحوّل طرابلس إلى بوابة...

تعديل الدستور في دولة الكويت-بحث في القانون الدستوري العام

إعداد:  ميراي اسعد زيادة المقدمة يُعدّ الدستور القانون الأسمى في الدولة، إذ ينظّم السلطات العامة ويضمن الحقوق والحريات. غير أنّ تطور المجتمعات يفرض أحياناً تعديل بعض أحكامه...

هذا ما تشهده أسعار تذاكر السفر إلى لبنان!

هذا ما تشهده أسعار تذاكر السفر إلى لبنان! مع اقتراب شهر تشرين الثاني، بدأت أسعار تذاكر السفر إلى لبنان تسجّل ارتفاعًا تدريجيًا، وسط توقعات بمواصلة...

رعاية بكرامة وتمكين بفرص جديدة… الدورة العشرون في الشويفات

تنظّم البرنامج جمعية «مبادرات وقرارات»، بدعم من مؤسسة COMGEST FOUNDATION في فرنسا، وبالتعاون مع بلدية مدينة الشويفات. وتشارك في التدريب الدكتورة كوثر شيا، مستشارة...

رعاية بكرامة وتمكين بفرص جديدة… الدورة العشرون في الشويفات

تنظّم البرنامج جمعية «مبادرات وقرارات»، بدعم من مؤسسة COMGEST FOUNDATION في فرنسا، وبالتعاون مع بلدية مدينة الشويفات. وتشارك في التدريب الدكتورة كوثر شيا، مستشارة...

تعديل الدستور في دولة الكويت-بحث...

إعداد:  ميراي اسعد زيادة المقدمة يُعدّ الدستور القانون الأسمى في الدولة، إذ ينظّم السلطات العامة ويضمن الحقوق والحريات. غير أنّ تطور المجتمعات...

هذا ما تشهده أسعار تذاكر...

هذا ما تشهده أسعار تذاكر السفر إلى لبنان! مع اقتراب شهر تشرين الثاني، بدأت أسعار تذاكر السفر إلى لبنان تسجّل...

رعاية بكرامة وتمكين بفرص جديدة…...

تنظّم البرنامج جمعية «مبادرات وقرارات»، بدعم من مؤسسة COMGEST FOUNDATION في فرنسا، وبالتعاون مع بلدية مدينة الشويفات. وتشارك في...

رعاية بكرامة وتمكين بفرص جديدة…...

تنظّم البرنامج جمعية «مبادرات وقرارات»، بدعم من مؤسسة COMGEST FOUNDATION في فرنسا، وبالتعاون مع بلدية مدينة الشويفات. وتشارك في...

تعديل الدستور في دولة الكويت-بحث في القانون الدستوري العام

إعداد:  ميراي اسعد زيادة المقدمة يُعدّ الدستور القانون الأسمى في الدولة، إذ ينظّم السلطات العامة ويضمن الحقوق والحريات. غير أنّ تطور المجتمعات يفرض أحياناً تعديل بعض أحكامه...

فرنسا على صفيح ساخن… غضب الشارع يهدّد إرث ماكرون ويفتح الطريق أمام اليمين

تدخل فرنسا مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وتحول بعض شوارعها إلى ساحات مواجهات وأعمال تخريب ونهب، في مشهد يعكس عمق...

ترامب يمنح نتنياهو دعماً مطلقاً… والانتخابات الإسرائيلية تتحوّل إلى معركة على مستقبل إيران والمنطقة

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الانتخابات الإسرائيلية مجرّد استحقاق داخلي لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل باتت، في ضوء الدعم العلني الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد...

تعديل الدستور في دولة الكويت-بحث في القانون الدستوري العام

إعداد:  ميراي اسعد زيادة المقدمة يُعدّ الدستور القانون الأسمى في الدولة، إذ ينظّم السلطات العامة ويضمن الحقوق والحريات. غير أنّ تطور المجتمعات يفرض أحياناً تعديل بعض أحكامه...

فرنسا على صفيح ساخن… غضب الشارع يهدّد إرث ماكرون ويفتح الطريق أمام اليمين

تدخل فرنسا مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وتحول بعض شوارعها إلى ساحات مواجهات وأعمال تخريب ونهب، في مشهد يعكس عمق...

ترامب يمنح نتنياهو دعماً مطلقاً… والانتخابات الإسرائيلية تتحوّل إلى معركة على مستقبل إيران والمنطقة

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الانتخابات الإسرائيلية مجرّد استحقاق داخلي لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل باتت، في ضوء الدعم العلني الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد...

«إنفستوبيا بريدج 2026»… أبوظبي تستعد لخريطة استثمارية جديدة

انطلقت في أبوظبي أعمال «إنفستوبيا بريدج 2026»، بمشاركة وزراء ومستثمرين ورجال أعمال من الإمارات ودول عدة، في خطوة تتجاوز عقد مؤتمر اقتصادي إلى التحضير...

غضب الشارع الفرنسي يعيد خلط أوراق 2027… واليمين يستثمر في أزمة ماكرون

فرنسا تدخل مرحلة سياسية أكثر سخونة، فيما تتجاوز الاحتجاجات الطلابية أسوار المدارس لتتحول تدريجياً إلى عنوان اجتماعي وسياسي يضغط على السلطة قبل الانتخابات الرئاسية...

ثلاث سنوات على 7 أكتوبر: إسرائيل تُضعف خصومها… فهل تربح الأمن؟

ثلاث سنوات على 7 أكتوبر: إسرائيل تُضعف خصومها… فهل تربح الأمن؟ عشية الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر 2023، يبرز سؤال يتجاوز حصيلة المعارك: هل نجحت...