تتقاطع التطورات الأخيرة عند عنوان واحد: محاولة إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي في لبنان. فمن الجنوب إلى مجلس النواب، وصولًا إلى واشنطن وباريس، تتقدّم معادلة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة من مستوى الخطاب إلى اختبار التنفيذ.
زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى الجنوب، وخصوصًا المناطق التجريبية وزوطر الغربية، حملت دلالة سياسية تتجاوز طابعها الميداني. فالحضور الأميركي العلني على الأرض تزامن مع تأكيد واشنطن دعم الحكومة اللبنانية وعودة السكان وإعادة الإعمار والاستقرار، في وقت تستمر فيه الضغوط لإعادة الجنوب تدريجيًا إلى سلطة المؤسسات الشرعية.
وفي المسار نفسه، جاء اللقاء في واشنطن بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر ليؤكد أن الدولة اللبنانية باتت هي قناة التفاوض المباشر حول الملفات المرتبطة بالجنوب، فيما يستعد الرئيس جوزاف عون لنقل هذه المقاربة إلى مؤتمر باريس، حيث يُنتظر أن يربط دعم الجيش بمشروع أوسع يقوم على حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
أما داخليًا، فتحولت جلسة مساءلة الحكومة إلى مواجهة حول من يملك قرار الدولة. رئيس الحكومة نواف سلام انتقل من الدفاع عن أداء حكومته إلى مساءلة المرحلة السابقة سياسيًا، واضعًا كلفة حروب الإسناد والخسائر التي أصابت لبنان في قلب النقاش، ومؤكدًا أن قرار الحرب والسلم والتفاوض يجب أن يعود حصريًا إلى المؤسسات الدستورية.
وهكذا، لم تعد المواجهة تدور فقط حول أداء حكومة أو سلاح خارج الشرعية، بل حول إعادة تعريف مركز القرار في لبنان: من يفاوض؟ من يقرر الحرب والسلم؟ ومن يملك السلطة الفعلية على الأرض؟
من الجنوب إلى ساحة النجمة وباريس، تبدو الدولة أمام محاولة لاستعادة المساحة التي خسرتها على مدى سنوات. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في رفع السقف السياسي، بل في القدرة على تحويله إلى وقائع: جيش يمسك بالأرض، دولة تحتكر السلاح، ومؤسسات تتولى وحدها قرار لبنان.

