بعد انكماش يُقدَّر بنحو 12% في 2026، يقف الاقتصاد اللبناني أمام مسارين مختلفين جذرياً خلال السنوات الأربع المقبلة: تعافٍ سريع يعيد النمو إلى 7% في 2027، أو تعثّر طويل يخفضه تدريجياً إلى 0.7% فقط في 2030. والفارق بين السيناريوهين لا تصنعه المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل ثلاثة عوامل مترابطة: أمن الجنوب، الإصلاحات المالية والمصرفية، والقدرة على استعادة التمويل الخارجي.
في السيناريو الإيجابي، يؤدي الاستقرار التدريجي واستئناف الإصلاحات إلى إعادة تشغيل السياحة والخدمات وإطلاق الإنفاق على إعادة الإعمار، بالتوازي مع التقدم في برنامج مع صندوق النقد وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. عندها يُقدَّر النمو بنحو 7% في 2027، و6.5% في 2028، و6.8% في 2029، و5.8% في 2030، مع عودة محتملة للتمويل الخليجي والأوروبي والدولي والاستثمارات الخارجية وأموال الاغتراب. ووفق هذا المسار، قد يرتفع فائض المالية العامة من 0.3% من الناتج في 2026 إلى 3.3% في 2030، فيما يمكن أن تنخفض نسبة الدين العام بصورة حادة بعد إعادة هيكلته وشطب جزء منه.
أما السيناريو الثاني، فيبدأ من استمرار التوتر الأمني وتعثر الإصلاحات والانقسامات السياسية. هنا يصبح التعافي محدوداً: 3.4% نمواً في 2027، ثم 2% في 2028، و1.1% في 2029، وصولاً إلى 0.7% في 2030. وهذا يعني عملياً اقتصاداً يتحرك لسنوات من دون استعادة زخم حقيقي، فيما تبقى أزمة المصارف عائقاً أمام التمويل والاستثمار، وتتعثّر المفاوضات مع صندوق النقد، ويظل الدعم الخارجي محدوداً، مع احتياطات بالعملات الأجنبية تدور حول 11 مليار دولار.
المعادلة إذاً تتجاوز سؤال: كم سينمو لبنان؟ إلى سؤال أكبر: أي اقتصاد سيكون للبنان بعد الحرب؟ فبين مسار يعيد إطلاق الإعمار والاستثمار والقطاع المصرفي، ومسار يكرّس اقتصاداً ضعيف النمو حتى 2030، يبقى العامل الحاسم هو ما إذا كان الاستقرار الأمني سيتحوّل إلى نافذة للإصلاح، أم أن استمرار المخاطر سيؤجل المعالجة مرة أخرى. لذلك، فإن 2027 قد لا تكون مجرد سنة تعافٍ بعد انكماش 2026، بل السنة التي يبدأ فيها رسم المسار الاقتصادي للبنان حتى نهاية العقد.

