تدخل المواجهة الأميركية مع إيران مرحلة مختلفة: من استنزاف القوة العسكرية إلى استنزاف القدرة على التمويل. والهدف لم يعد فقط الضغط على طهران، بل تضييق الشرايين التي تنقل الأموال منها إلى شبكاتها الإقليمية، ما يضع حـــــزب الله في لبنان أمام اختبار مالي مباشر.
المؤشرات على حجم الضغط باتت واضحة. صادرات النفط الإيرانية تراجعت بصورة حادة تحت وطأة الحصار والعقوبات، فيما وسّعت واشنطن ملاحقة شبكات الالتفاف المالي والكيانات الوسيطة. وفي 20 آب، أعلنت الخزانة الأميركية عقوبات على عشرة أشخاص قالت إنهم يعملون ضمن شبكة تنقل الأموال نقداً إلى حـــــزب الله عبر رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، وأعادت تصنيف الحزب في إطار خدمته للنظام الإيراني تحت إمرة فيلق القدس. ثم جاءت عقوبات إضافية في 10 أيلول على شبكات مرتبطة بإيران وحلفائها في المنطقة.
هنا تبدأ العقدة اللبنانية. فالحرب المالية على إيران لا تتوقف عند حدودها. أي تراجع كبير ومستدام في قدرة طهران على تحويل الأموال إلى حـــــزب الله يمكن أن يتحول إلى ضغط على السيولة داخل بيئته ومؤسساته وشبكاته التشغيلية، خصوصاً بعدما قالت الخزانة الأميركية سابقاً إن فيلق القدس حوّل أكثر من مليار دولار إلى الحزب منذ مطلع 2025، معظمها عبر شركات تحويل وصرافة.
لكن التأثير قد يتجاوز الحزب نفسه. لبنان أصبح منذ انهيار 2019 اقتصاداً شديد الاعتماد على الدولار النقدي؛ وقدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي المدولر بنحو 9.9 مليارات دولار، أي 45.7% من الناتج، في 2022. وبالتالي، فإن أي انكماش ملموس في تدفقات نقدية كبيرة كانت تدخل وتتحرك خارج النظام المصرفي قد ينعكس، بدرجات متفاوتة، على دورة السيولة والدولار في السوق.
وهكذا يصبح لبنان أمام مفارقة دقيقة: الخنق المالي لإيران قد يضغط سريعاً على مصادر تمويل حـــــزب الله، لكن الاقتصاد اللبناني قد يشعر أيضاً بارتدادات هذا الخنق قبل أن تظهر أي مكاسب محتملة منه. أما الرهان على المدى الأبعد، فهو أن يؤدي تراجع الاقتصاد الموازي وتعزيز المؤسسات الرسمية والرقابة المالية، بالتوازي مع إصلاحات داخلية، إلى فتح مساحة أكبر أمام الاستثمار والسياحة وعودة الأموال عبر القنوات الشرعية.
المعركة المقبلة إذاً قد لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الجبهات، بل بحجم الدولار المتاح وقدرة الشبكات على تحريكه. ومن هنا يصبح لبنان أحد أهم ميادين اختبار الحرب المالية على إيران: هل يؤدي تجفيف التمويل إلى إعادة ترتيب موازين القوة، أم ينقل جزءاً من كلفته أولاً إلى اقتصاد لبناني هش يعتمد أصلاً على الكاش؟

