لم تكن جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب مجرّد مساحة لتفريغ غضب النواب من أداء حكومة نواف سلام. خلف السجالات وارتفاع السقوف، برزت معادلة سياسية أكثر دقة: فتح باب المحاسبة إلى أقصاه، من دون فتح باب إسقاط الحكومة.
الجولة الأولى شهدت اشتباكات سياسية حول ملفات الحكومة والحرب وحصر السلاح والأوضاع الاقتصادية، لكنها بقيت ضمن إيقاع مضبوط تحت إدارة الرئيس نبيه بري. وهذا يتقاطع مع تقارير اليوم التي تحدثت عن حرص بري على إبقاء المواجهة تحت سقف البرلمان ومنع انتقالها إلى أزمة حكومية مفتوحة.
الرسالة الأبرز تبدو في مكان آخر: الحكومة لم تعد محصّنة من الضغط، لكنها لا تزال محصّنة من السقوط. بري أتاح للنواب مساحة واسعة لمساءلة سلام ووزرائه، فيما تحوّلت الجلسة إلى متنفس للاحتقان المتراكم، من أداء الحكومة والخدمات والاقتصاد إلى الملفات السيادية والأمنية. وفي الوقت نفسه، بقيت إدارة الجلسة حريصة على منع وصول الاشتباك إلى نقطة اللاعودة.
وهنا تكمن أهمية التوقيت. فاستدعاء الحكومة إلى مواجهة نيابية بهذا الحجم يضعها تحت ضغط سياسي مباشر، ويمنعها من التعامل مع الدعم الخارجي والداخلي وكأنه شيك مفتوح. لكن قراءة أن الهدف هو إسقاطها لا تدعمها المؤشرات المتوافرة حتى الآن؛ إذ تشير معلومات منشورة إلى أن إسقاط حكومة سلام ليس مطروحاً في هذه المرحلة، في ظل التوازنات السياسية والظروف الأمنية التي يمر بها لبنان.
الأهم أن الجلسة قد تكون إنذاراً أكثر منها معركة ثقة: المطلوب دفع الحكومة إلى تحسين أدائها وتسريع تنفيذ قراراتها، مع إبقاء الصراع داخل المؤسسات بدلاً من انتقاله إلى الشارع.
وبذلك، تبدو المعادلة التي رسمتها الجلسة واضحة: اضغطوا على الحكومة، حاسبوها وارفعوا السقف في وجهها… لكن لا تُسقطوها الآن.
أما مستقبلها الفعلي، فلن تحدّده حرارة السجالات وحدها. حكومة سلام تتحرك في لحظة إقليمية شديدة السيولة، ولذلك قد يصبح مصيرها لاحقاً مرتبطاً أيضاً بتبدّل التوازنات التي تحيط بلبنان. وحتى ذلك الحين، تبدو الرسالة السياسية الأقرب إلى ما أظهرته الجلسة: الحكومة باقية، لكن مرحلة الراحة انتهت.

