درع أخيل»… الصفقة العسكرية الأكبر بين إسرائيل واليونان تعيد رسم توازنات شرق المتوسط
بقلم: د.ميراي زيادة
تتجاوز صفقة «درع أخيل» العسكرية بين إسرائيل واليونان حدود التعاون الدفاعي التقليدي، لتتحول إلى خطوة استراتيجية تحمل أبعاداً جيوسياسية تتصل مباشرة بموازين القوى في شرق المتوسط، ولا سيما في ظل تصاعد التنافس الإقليمي وتنامي الحساسية في العلاقات اليونانية ـ التركية.
وتبلغ قيمة الصفقة نحو 3.1 مليارات يورو، وتهدف إلى إنشاء مظلة دفاع جوي يونانية متكاملة ومتعددة الطبقات، بالاعتماد بصورة أساسية على منظومات إسرائيلية، في ما تعتبره تل أبيب واحدة من أكبر صفقات صناعاتها الدفاعية.
وبحسب الاتفاق، يرتكز المشروع على منظومات «مقلاع داوود» و«سبايدر» من إنتاج شركة «رافائيل»، ومنظومة «باراك» من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية، على أن يجري دمجها مع منظومات موجودة لدى اليونان، بينها «باتريوت» الأميركية، ضمن شبكة موحدة للقيادة والسيطرة تعتمد على تقنيات متطورة والذكاء الاصطناعي.
من صفقة سلاح إلى شراكة استراتيجية
الأهمية الفعلية لـ«درع أخيل» لا تكمن فقط في حجمها المالي أو في نوعية الأسلحة، بل في انتقال التعاون الإسرائيلي ـ اليوناني إلى مستوى أكثر عمقاً. فإسرائيل لا تبيع أثينا منظومات منفصلة فحسب، وإنما تنقل إليها نموذجاً متكاملاً للدفاع الجوي متعدد الطبقات، بما يسمح بمواجهة طيف واسع من التهديدات، من الطائرات المسيّرة والهجمات الجوية وصولاً إلى الصواريخ الباليستية.
ومن هنا، ترى الأوساط الإسرائيلية في الاتفاق فرصة لترسيخ إسرائيل كمورّد دفاعي أساسي داخل السوق الأوروبية، خصوصاً مع اتجاه دول أوروبية إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتقليص اعتمادها على مصادر محددة للتسلح.
وقد يشكل نجاح النموذج اليوناني بوابة أمام صفقات إسرائيلية إضافية مع دول أوروبية وأعضاء في حلف شمال الأطلسي، ما يمنح الصناعات العسكرية الإسرائيلية ثقلاً اقتصادياً واستراتيجياً يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
تركيا في خلفية المشهد
لكن البعد الأكثر حساسية في الصفقة يرتبط بتركيا.
فالتقارب الدفاعي المتسارع بين إسرائيل واليونان، إلى جانب التعاون مع قبرص، يأتي في منطقة تشهد منذ سنوات تنافساً حاداً حول النفوذ والطاقة والحدود البحرية والأمن الإقليمي.
ويرى باحثون إسرائيليون أن توسيع التعاون في مجالات الدفاع الجوي والرادارات والاستشعار قد يفتح مستقبلاً الباب أمام بناء «صورة جوية مشتركة» بين إسرائيل واليونان وقبرص، تسمح برصد التحركات الجوية والتعرف إليها ومتابعتها ضمن مساحة واسعة من شرق المتوسط.
وإذا تطور هذا المسار، فإن «درع أخيل» لن يعود مجرد مشروع لحماية الأجواء اليونانية، بل يمكن أن يصبح جزءاً من هندسة أمنية إقليمية أوسع، وهو ما يفسر الاهتمام التركي المتزايد بأي تقارب عسكري بين أثينا وتل أبيب.
رسالة إسرائيلية سياسية أيضاً
التوقيت يحمل بدوره دلالة بالنسبة إلى إسرائيل، التي تسعى إلى إبراز قدراتها العسكرية والتكنولوجية وقدرة صناعاتها الدفاعية على اختراق أسواق استراتيجية، بالتوازي مع التحديات والتهديدات التي تواجهها على أكثر من جبهة.
وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس وضع الصفقة في إطار المصالح الاستراتيجية المشتركة بين إسرائيل واليونان، متحدثاً عن مواجهة جهات تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي، في موقف قُرئ على نطاق واسع كتلميح إلى تركيا.
وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأوسع للاتفاق: اليونان تعزز مظلتها الدفاعية، وإسرائيل توسع نفوذها العسكري داخل أوروبا، فيما تتشكل في شرق المتوسط شبكة مصالح أمنية جديدة قد تصبح عنصراً إضافياً في موازنة الصعود التركي.
لذلك، فإن «درع أخيل» ليست مجرد صفقة أسلحة بقيمة مليارات اليورو، بل مؤشر إلى تحوّل أعمق في خريطة التحالفات الدفاعية في شرق المتوسط. والسؤال الذي تفتحه الصفقة ليس فقط عن حجم القوة التي ستضيفها إلى اليونان، وإنما عن مدى تحول المحور الإسرائيلي ـ اليوناني ـ القبرصي مستقبلاً إلى منظومة أمنية متكاملة قادرة على التأثير في ميزان القوى الإقليمي.

