بقلم:د.ميراي زيادة
في اللحظة التي غاب فيها رأس الهرم في طهران، لم تكن إيران تواجه مجرد أزمة خلافة، بل أزمة بنيوية تمسّ جوهر النظام الذي تأسس عام 1979. فالجمهورية الإسلامية لم تكن تُدار فقط عبر مؤسسات دستورية، بل عبر مركز جاذبية واحد جمع بين العقيدة والسلطة والسلاح.
منذ وفاة الخميني عام 1989، شكّل علي خامنئي هذا المركز. لم يكن مجرد مرشد سياسي، بل المرجعية التي تضبط التوازن بين الحرس الثوري، المؤسسة الدينية، التيار الإصلاحي، البيروقراطية، والبازار. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة تعتمد عليه أكثر مما تعتمد على مؤسساتها.
لذلك، فإن غيابه لا يخلق فراغاً إدارياً فحسب، بل يكشف هشاشة البنية التي بُنيت حول شخصه. فالمجلس المؤقت، أياً كانت تركيبته، لا يمتلك الشرعية الفقهية الكاريزمية، ولا النفوذ العسكري المطلق، ولا القدرة على فرض إجماع داخلي سريع. ومن هنا تبدأ لحظة الانكشاف: الجمهورية تفقد مركزها، وتُجبر على العمل من دون المحور الذي كانت تدور حوله.
غير أنّ هذه اللحظة لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ الإيراني الأوسع، لأن إيران دولة اعتادت سقوط أنظمتها… لكنها لم تعتد فقدان مركزها من دون بديل واضح.
من سقوط السلالات إلى أزمة الصيغة: هل تتكرر الدورة التاريخية؟
إذا عدنا إلى الوراء، نجد أن إيران عرفت دورات متكررة من انهيار السلطة المركزية.
فالصفويون أسسوا دولة مذهبية قوية، ثم انهارت سلالتهم.
والقاجاريون حافظوا على الشكل الإمبراطوري، لكنهم فقدوا الهيبة أمام التدخلات الخارجية.
ثم جاء رضا شاه البهلوي بمشروع دولة قومية حديثة، قبل أن تُطيح الثورة بابنه عام 1979.
في كل هذه المراحل، كان النظام يسقط، لكن الدولة تبقى.
غير أنّ ما يميز عام 1979 أن سقوط الشاه ترافق مع صعود بديل واضح يقوده الخميني. الثورة كانت تحمل مشروعاً جامعاً، وشرعية تعبئة واسعة، عززتها لاحقاً الحرب مع العراق التي صنعت سردية قومية متينة.
أما اليوم، فالمشهد مختلف جذرياً.
لا يوجد بديل جامع.
المؤسسة الدينية نفسها منقسمة حول مفهوم “ولاية الفقيه المطلقة”.
الحرس الثوري ليس كتلة صماء، بل شبكة أجنحة ومصالح عسكرية واستخباراتية واقتصادية متشابكة.
والشارع الإيراني غاضب لكنه بلا قيادة موحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن البيئة الإقليمية التي شكّلت عمقاً استراتيجياً لإيران خلال العقود الماضية لم تعد مستقرة كما كانت. فبعض ساحات النفوذ تراجعت فعاليتها، والقدرة على الردع تعرضت لاختبارات قاسية، ما يعني أن أي انتقال داخلي يجري تحت ضغط خارجي لا يمنح النظام وقتاً طويلاً لإعادة ترتيب صفوفه.
هنا تحديداً يبرز الفارق بين سقوط الشاه وسقوط المرشد.
في 1979 كان السؤال: من يحكم بعد الملك؟
أما اليوم، فالسؤال: هل تستطيع الصيغة نفسها أن تستمر؟
الجمهورية الإسلامية لم تكن مجرد نظام سياسي، بل صيغة حكم تمزج بين الشرعية الدينية المطلقة والبنية العسكرية-الأمنية. وإذا فقدت هذه الصيغة قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، فإننا لا نكون أمام تغيير وجوه، بل أمام أزمة نموذج كامل.
نهاية الدولة الإسلامية… وبداية سؤال الدولة
بناءً على ما سبق، يبدو أن المسار التاريخي يتجه نحو نهاية الجمهورية الإسلامية بصيغتها التي عرفناها طوال أربعة عقود. هذه النهاية قد لا تأتي على شكل انهيار مفاجئ، وقد لا تكون لحظة درامية واحدة، لكنها تبدو مساراً تراكمياً يصعب عكس اتجاهه.
فالشرعية الثورية التي وُلدت عام 1979 استُهلكت.
والتوازن الشخصي الذي أمسك بالبنية طوال عقود انتهى.
والصيغة التي جمعت بين العمامة والبندقية تواجه اليوم اختبارها الأصعب.
إيران كدولة عميقة لن تختفي. التاريخ يشهد أنها قادرة على إعادة تشكيل نفسها بعد كل سقوط. لكن “الدولة الإسلامية” بصيغتها العقائدية المركزية تدخل طورها الأخير، لأنها فقدت العنصر الذي كان يضمن وحدتها الداخلية ويضبط تناقضاتها.
ومن هنا، لم يعد السؤال من سيخلف المرشد،
بل ما الذي سيخلف الجمهورية نفسها.
فإذا كانت إيران قد نجت دائماً من سقوط السلالات، فإن التحدي اليوم هو ما إذا كانت ستنجح في عبور هذه المرحلة بانتقال منظم، أم أنها ستدخل دورة أكثر اضطراباً من تاريخها الحديث.
وبهذا المعنى، نحن لا نقف فقط أمام نهاية مرحلة،
بل أمام بداية سؤال وجودي جديد:
أي دولة ستولد من رحم نهاية الجمهورية الإسلامية؟

