بقلم: د. ميراي زيادة
لا يحدث التصعيد السعودي–الإماراتي في فراغ، ولا يمكن فهمه بوصفه سلسلة ردود أفعال أمنية منفصلة عن سياقها. فحين تتكرر المواجهات، وتتبدّل الأدوات، ويطول أمد الصراع، يصبح من الضروري الانتقال من قراءة الحدث إلى تفكيك البنية التي تحكمه.
ومن هنا، يفرض سؤال نفسه:
هل ما نشهده صراع نفوذ سياسي تقليدي؟
أم أننا أمام تنافس على شريان جغرافي–اقتصادي يعيد رسم موازين القوة في المنطقة؟
الممر الذي لا يُسمّى
بدايةً، لا بد من كسر الانطباع الشائع. فالقضية لا تتعلق بقناة مائية واحدة أو مشروع هندسي معلن، بل بشبكة متصلة من الممرات البحرية والعُقد اللوجستية التي تبدأ من الخليج العربي، وتعبر مضيق هرمز، ثم تمتد عبر بحر العرب وباب المندب، وصولاً إلى البحر الأحمر وقناة السويس، لتنتهي عند شرق المتوسط.
هذا الامتداد ليس خطاً على الخريطة فحسب، بل شريان تشغيل للعالم: تمر عبره الطاقة، وتُدار عليه التجارة، وتُبنى حوله سلاسل الإمداد الحديثة. لذلك، فإن السيطرة عليه أو تعطيله تعني امتلاك ورقة ضغط تتجاوز حدود الإقليم.
من الأمن إلى الاقتصاد
انطلاقاً من هذا الواقع، يصبح مفهوماً لماذا تولي السعودية والإمارات أهمية استثنائية لهذا المسار. فالمسألة لم تعد تقتصر على حماية الحدود أو الرد على تهديدات آنية، بل تتصل مباشرة بـ أمن الطاقة واستدامة التدفقات.
ومع ازدياد هشاشة نقاط الخنق، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب، اتجهت الاستراتيجية الخليجية إلى تنويع المخارج وبناء بدائل على البحر الأحمر. لكن الأهم أن هذا التوجّه لم يُترجم بحضور عسكري مباشر بقدر ما ظهر في نفوذ لوجستي طويل الأمد: موانئ، جزر، وشبكات إدارة بحرية.
حين تصبح الساحات عقداً
من هنا، لا يمكن قراءة اليمن بمعزل عن هذا المسار. فباب المندب ليس مجرد موقع جغرافي، بل نقطة خنق عالمية، وأي قوة قادرة على تهديده تمتلك قدرة مباشرة على التأثير في البحر الأحمر وما بعده.
وبالمنطق نفسه، تدخل سوريا ولبنان في المعادلة لا كملفين سياسيين داخليين، بل كحلقتين في شرق المتوسط؛ حيث الغاز، أوروبا، والتوازنات الدولية. في هذا السياق، يُقرأ الوجود الإيراني وحلفائه كعامل يعقّد استمرارية الممر، لا فقط كنفوذ إقليمي.
هل نحن أمام «قناة» جديدة؟
رغم كل ذلك، لا يوجد مشروع قناة خليج–متوسط بالمعنى الهندسي. لكن في المقابل، تتشكّل فعلياً قناة نفوذ غير مرئية، مؤلفة من ممرات بحرية وبرية وطاقوية، تخضع لتنافس دولي متصاعد: الصين عبر طريق الحرير، إيران عبر ممر بري، والغرب عبر أولوية أمن الملاحة.
ما بين السبب والرهان
في ضوء ما سبق، يمكن التمييز بوضوح بين الأسباب المباشرة للتصعيد ,من صواريخ ومسيّرات ونفوذ إيراني, وبين الرهان الأعمق. فالممر من الخليج إلى المتوسط لا يُشعل الصراع، لكنه يفسّر لماذا لا ينطفئ.
في المحصلة، لا يستهدف التصعيد السعودي–الإماراتي إنشاء قناة مائية جديدة، بل ضمان موقع متقدّم في معادلة السيطرة على شريان استراتيجي عالمي. هنا، تُدار السياسة بالجغرافيا، ولا يُقاس النفوذ بالخطاب، بل بالقدرة على التحكم بالحركة.

