بقلم:د.ميراي زيادة
لم يعد خطاب Donald Trump يُقرأ كمواقف ظرفية أو رسائل اختبار. ما يتكشّف اليوم هو منطق حكم مكتمل يقوم على الصدمة العلنية، والضغط المباشر، وإدارة العلاقات الدولية من فوق الطاولة لا من خلف الأبواب المغلقة.
السياسة هنا لا تُدار بالإشارات الدبلوماسية، بل بالإنذارات، ولا تُبنى على التوازن، بل على فرض الكلفة.
في أيام قليلة، تحرّك ترامب على أكثر من جبهة دفعة واحدة: India، Iran، China، وColombia.
أما Venezuela، فقد خرجت من المشهد كملف مفتوح، ودخلت مرحلة ما بعد الحسم.
فنزويلا: ملف أُقفل… ورسالة وُجّهت
بسقوط Nicolás Maduro وانتقال الحكم إلى نائبة الرئيس، لم تعد فنزويلا ساحة صراع، بل نموذجًا مكتملًا لما يعنيه الضغط الأميركي حين يصل إلى نهايته.
الرسالة لم تكن موجهة إلى كاراكاس بقدر ما كانت موجهة إلى العواصم التي راهنت على الوقت، أو على الغموض، أو على حماية خارجية لا تصل لحظة الحقيقة.
فنزويلا انتهى أمرها سياسيًا. ما تبقّى منها اليوم هو درس جيوسياسي:
من يدخل دائرة الاستهداف الكامل، لا يُترك فيها طويلًا.
في الحالة الهندية، تحوّلت الطاقة من ملف تجاري إلى أداة اصطفاف سياسي. دعوة تقليص مشتريات النفط ليست نقاشًا حول السوق، بل إنذارًا مبكرًا:
التجربة مع Russia ما زالت حيّة، ومن يتجاهل الإشارة يدفع لاحقًا كلفة أعلى.
الاستقلال الاقتصادي، وفق هذا المنطق، لم يعد حقًا سياديًا مطلقًا، بل خيارًا مشروطًا بالتوافق مع الإيقاع الأميركي.
إيران: المدنيون كذريعة سيادية
في تهديده لإيران، يعيد ترامب إدخال “حماية المدنيين” إلى صلب معادلة الردع. لكن هذه اللغة لا تُستخدم لخفض التوتر، بل لفتح باب التدخل عند الحاجة.
الإنسان هنا ليس موضوع حماية، بل أداة شرعنة، والمنطقة تُترك على حافة توازن هش: لا حرب شاملة، ولا طمأنينة استراتيجية.
بعد حسم الملف الفنزويلي، تتقلّص المساحات أمام الصين. الرسالة واضحة:
الغموض الاستراتيجي لم يعد قابلًا للاستمرار.
إما دور اقتصادي منزوع السياسة، أو تحمّل كلفة الرعاية السياسية العلنية لأنظمة تُدرج تباعًا في خانة الاستهداف.
ما جرى في فنزويلا لم يكن صراعًا ثنائيًا، بل اختبارًا صامتًا لبكين… وقد انتهى.
الهجوم على كولومبيا لم يكن انفعالًا لغويًا. الاتهامات المرتبطة بالمخدرات ونزع الشرعية عن القيادة تشكّل المرحلة التمهيدية لأي ضغط أشد.
هكذا يبدأ المسار دائمًا:
تشويه السمعة، ثم العزل، ثم فرض الوقائع.
عالم ما بعد التحذير
ما نشهده ليس سلسلة تصريحات، بل نظام عمل:
الحسم بدل الاحتواء
العلنية بدل الدبلوماسية
والضغط بدل التفاوض الطويل
بعد فنزويلا، لم يعد السؤال: هل سيُفعَّل هذا المنطق؟
بل: من التالي؟
العالم يدخل مرحلة تُدار فيها السياسة بالصوت العالي، ومن لا يقرأ النماذج قبل أن تتكرّر عليه… لن يُمنح وقتًا إضافيًا.

