بقلم: د.ميراي زيادة
في النقاش الدائر حول مشروع قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع في لبنان، تُطرح عشرات الأسئلة التقنية والمالية، غير أنّ سؤالًا واحدًا يبقى كفيلًا بنسف شرعية المشروع من أساسه.
هذا السؤال يتمثّل في الآتي: لماذا استُبعدت الأسهم التفضيلية المصرفية من آلية الاسترداد، رغم أنها في جوهرها أدوات تمويل شبه دين، ورغم أن غالبية حامليها هم مواطنون عاديون؟
ومن هنا، لا يعود هذا السؤال تفصيليًا ولا هامشيًا ولا محاسبيًا، بل يتحوّل تلقائيًا إلى سؤال سياسي–اقتصادي بامتياز، لأن الإجابة عليه تكشف بوضوح الجهة التي كُتب القانون لحمايتها: هل هو المودع أم المصرف؟
من تعريف الأداة… تبدأ المشكلة
انطلاقًا من تعريف الأداة نفسها، تظهر أولى الإشكاليات. فالأسهم التفضيلية التي أصدرتها المصارف اللبنانية، ولا سيما بعد عام 2016، لم تُطرح يومًا كاستثمار رأسمالي تقليدي. فهي لم تُقدَّم كمشاركة في المخاطر، ولا كأداة خاضعة لتقلبات السوق، بل كمنتج ذي عائد ثابت أو شبه ثابت، يتمتع بأولوية في التوزيع على الأسهم العادية، ومن دون أي حق في الإدارة أو القرار أو الرقابة.
وبناءً على هذه الخصائص، لم تكن هذه الأسهم عمليًا سوى:
أداة تمويل مصرفي
ذات طبيعة شبه دين (Quasi-Debt)
وليست استثمارًا عالي المخاطر كما جرى تصويرها لاحقًا لتبرير شطبها
إلا أن الإشكالية لا تتوقف عند بنيتها القانونية والمالية، بل تتعمّق أكثر عند طريقة تسويقها. فقد قُدّمت هذه الأسهم على نطاق واسع كـ«ودائع محسّنة»، وكخيار آمن نسبيًا لرفع العائد، من دون نشرات اكتتاب شفافة، ومن دون شرح جدي لاحتمال شطب رأس المال أو تعليق الدفع. وعليه، لم يعد الحديث هنا عن مخاطرة استثمارية واعية، بل عن علاقة تعاقدية مشوّهة منذ لحظة نشأتها.
وعند الانتقال من تعريف الأداة إلى موقعها في مشروع قانون الفجوة المالية، يصبح الاستبعاد مفهومًا سياسيًا لا تقنيًا. فإدراج الأسهم التفضيلية ضمن آلية الاسترداد كان سيؤدي تلقائيًا إلى شطب جزء كبير من الرساميل المصرفية المعلنة، وبالتالي إلى كشف حقيقة أن عددًا من المصارف:
مفلس فعليًا
أو ذو رساميل سلبية
أو قائم على أدوات هجينة غير قابلة للاستمرار
وبذلك، كان إدراجها سيُسقط الرواية الرسمية القائلة بوجود قطاع مصرفي «قابل لإعادة الهيكلة»، ويكشف أن ما يجري فعليًا ليس إدارة للأزمة، بل محاولة تجميل إفلاس.
غير أنّ هذا السبب، على أهميته، ليس الوحيد. فالقانون بُني أساسًا على معادلة تبسيطية تخدم هدفًا واحدًا: حصر تحمّل الخسائر بالمودعين فقط. ومن هنا، جرى الفصل المصطنع بين الوديعة، باعتبارها دينًا يستحق حماية جزئية، والسهم التفضيلي، باعتباره مخاطرة يتحمّل صاحبها الخسارة.
لكن، عند التدقيق في الواقع العملي، يتبيّن أن هذا الفصل لا يستند إلى أي أساس موضوعي، إذ إن المودع وحامل السهم التفضيلي يتشابهان في كل ما هو جوهري: كلاهما تقاضى عائدًا ثابتًا، كلاهما لم يشارك في الإدارة، كلاهما حُرم من السحب، وكلاهما تعرّض لتجميد قسري لأمواله. وعليه، فإن التمييز بينهما ليس قانونيًا، بل سياسي وظيفي بحت.
إلى ذلك، لا يمكن فصل استبعاد الأسهم التفضيلية عن الخوف الواضح من التداعيات القضائية. فإدراجها في القانون لم يكن سيُحدث فقط خللًا في الأرقام، بل كان سيؤدي إلى انفجار قانوني واسع، عبر إعادة فتح ملفات:
التضليل المالي
إساءة الأمانة المصرفية
مخالفة مبدأ المساواة أمام القانون (المادة 7 من الدستور)
وسوء الإفصاح والتسويق
ومن هنا، بدا الخيار الأبسط والأقل كلفة على المصارف هو إخراج هذه الفئة من المشهد التشريعي بالكامل.
من دفع الثمن فعليًا؟
خلافًا للصورة التي يُحاول البعض ترسيخها، فإن غالبية حاملي الأسهم التفضيلية في لبنان ليسوا مضاربين ولا مستثمرين محترفين، بل متقاعدون وموظفون ومغتربون وصغار مدّخرين، لم يحصلوا على تقييم مخاطر، ولم يُعرض عليهم احتمال شطب رأس المال، ولم يُعاملوا يومًا كمستثمرين محترفين.
وبالتالي، فإن استبعادهم من آلية الاسترداد لا يضرب العدالة المالية فحسب، بل يضرب مبدأ الرضى المستنير في العقود، ويحوّل القانون إلى أداة تمييز اجتماعي–مالي صريح.
خلل بنيوي في منطق إعادة الهيكلة
ومن زاوية أوسع، فإن أي إعادة هيكلة مالية تقوم، نظريًا وعمليًا، على تسلسل واضح لتحمّل الخسائر: رأس المال أولًا، ثم أدوات شبه الدين، ثم الدائنون، ثم المودعون، وأخيرًا حملة الأسهم العادية. غير أن مشروع القانون اللبناني قفز فوق هذا التسلسل، وأبقى أدوات شبه الدين خارج المعالجة، وركّز الخسائر على المودعين وحدهم.
وهذا لا يمكن اعتباره خطأً تقنيًا، بل خللًا قانونيًا بنيويًا يمس جوهر إعادة الهيكلة.
المقارنة الدولية تكشف الفارق
وعند مقارنة هذه المقاربة بالتجارب الدولية، تتضح الفجوة أكثر. ففي تجربة الـ Bail-in في قبرص عام 2013، جرى توزيع الخسائر بشكل متدرّج، وفُصلت الالتزامات بوضوح، ولم يُستبعد أي حامل أداة تُعد دينًا أو شبه دين، ما أفضى إلى قانون أكثر صلابة ومسار أوضح للمعالجة.
كذلك، في اليونان، ورغم أن الأزمة كانت سيادية لا مصرفية، لم تُبنَ المعالجة على إسقاط فئة من الحماية، بل على إعادة هيكلة شاملة ومنظمة.
وبالمقارنة، تبدو المقاربة اللبنانية انتقائية، دفاعية، وأقل عدالة.
الرقم الذي يُراد تجاهله عمدًا
إلى ذلك، لا يمكن تجاهل العامل الكمي. إذ تُقدَّر قيمة الأسهم التفضيلية المصرفية في لبنان بنحو 4 مليارات دولار أميركي. وتجاهل هذا الرقم لا يُبسّط الحل، بل يزيّف صورة الخسائر، ويحرّف توزيعها، ويُفقد أي خطة هيكلة صدقيتها من الأساس.
بناءً على ما تقدّم، فإن استبعاد الأسهم التفضيلية من قانون استرداد الودائع يعني عمليًا حماية المصارف على حساب المواطنين، وإخفاء الحجم الحقيقي للخسائر، والتهرّب من المسؤولية القانونية، وإسقاط حقوق فئة واسعة من اللبنانيين. وعليه، فإن المشروع بصيغته الحالية ليس فقط غير عادل، بل غير دستوري وقابل للطعن داخليًا ودوليًا.
في المحصلة، لا يمكن بناء دولة على تشريع يُقنّن الظلم، ولا يمكن معالجة انهيار بحجم الانهيار اللبناني عبر تحميل الخسائر للأضعف فقط. إن دمج الأسهم التفضيلية ضمن آليات الاسترداد، وفق ضوابط واضحة ومتدرجة، ليس خيارًا سياسيًا، بل شرطًا لبقاء القانون وعدالته.
وإلا، فإن ما يُسمّى «قانون الفجوة المالية» سيبقى مجرّد:
وثيقة إنقاذ للمصارف… على أنقاض الثقة والدستور.

