هل نتركهم في الهامش؟ آن الأوان لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في سوق العمل
بقلم: د. ميراي زيادة
في قلب كل حديث عن التنمية، تُطرح كلمة “الدمج”. لكن، هل نعي حقًا معناها حين يتعلق الأمر بذوي الاحتياجات الخاصة؟
وماذا يحدث حين يبلغ هؤلاء سنّ الرشد ويُفترض أن ينخرطوا في المجتمع كأفراد فاعلين؟
الإجابة المؤسفة: لا شيء.
نعم، لا شيء يحدث سوى الإقصاء. فبعد سنوات من الرعاية الأكاديمية أو المؤسساتية، يجد ذوو الاحتياجات أنفسهم في فراغ قاتل، بلا خطة مهنية، ولا سياسة اجتماعية تستوعبهم. وكأن المجتمع يطوي الصفحة عند سنّ معينة، ويُغلق الباب أمام طاقات هائلة لم يُتح لها يومًا أن تُثبت ذاتها.
بيروت… البداية يجب أن تكون من هنا!!!
في هذا السياق، محافظة وبلدية بيروت العاصمة يجب أن تكون المبادرة الاولى و الداعمة الشرسة لدمج الطاقات. لا يكفي أن نُجمّل الأرصفة، أو نُشيّد مباني ذكية، بينما نغضّ الطرف عن مئات المواطنين القادرين على العطاء، فقط لأنهم مختلفون جسديًا أو ذهنيًا.
إن بيروت بحاجة إلى قرار واضح: أن تكون مدينة شاملة، توفر في قوانينها وتخطيطها وبيئة عملها، مكانًا عادلاً ومستدامًا لكل فئة من فئاتها، بما في ذلك أصحاب الهمم.
المشكلة تبدأ حين يبلغ الشخص ذو الاحتياجات الخاصة سنّ الرشد. تنتهي عندها خدمات المدارس أو المراكز، وتبدأ رحلة الفراغ.
لا مؤسسات تدريبية كافية، ولا جهات تؤهّله للانتقال إلى سوق العمل. وما يزيد الطين بلة، هو غياب البنية التحتية والسياسات الراعية لهذا الانتقال الطبيعي.
نحن هنا لا نتحدث عن إحسان، بل عن حق أساسي في الكرامة والعمل والمشاركة.
صحيح أن بعض الجامعات أو الجهات التعليمية بدأت بمحاولات خجولة لاحتواء هؤلاء الطلاب، لكن غياب المنهجية الشاملة والدعم الرسمي يجعل هذه المحاولات محكومة بالفشل المحدود.
في المقابل، تُظهر تجارب دولية أن الربط بين التدريب الأكاديمي والمهني، وإدماج الطلاب في بيئة تحاكي العمل منذ مراحل الدراسة، يمكن أن يخلق تغييرًا جوهريًا في الثقة والمهارات والاندماج الاجتماعي.
لا يمكننا أن نتحدث عن تنمية، فيما نخسر آلاف العقول القادرة فقط لأنها لا تجد فرصة. ولا يمكننا أن نبني دولة ذكية، حديثة، عادلة، إذا كنا نضع فئة بأكملها خارج الحسابات.
إن مجتمعًا مستدامًا بحق، هو ذاك الذي يُمكّن كل فرد فيه من العيش والعمل بكرامة، على قدم المساواة مع الآخرين.
آن الأوان أن تتحرك مرافق الدولة جمعاء بشكل حازم، وتضع قضية ذوي الاحتياجات الخاصة في قلب سياساتها. لا نريد مبادرات موسمية أو شعارات عاطفية، بل نحتاج إلى خطط تشغيل فعلية، حوافز في القطاع الخاص، ومؤسسات تدريب متخصصة تفتح الطريق أمامهم.
لبنان التي نريده، هو بلد لا يقصي أحدًا… بل يحتضن الكل، وينهض بطاقاتهم.

