البيت الشيعي أمام إعادة تشكيل كبرى: نهاية مرحلة والبحث عن معادلة بديلة
ما يجري داخل البيئة الشيعية لم يعد مجرد ارتدادات لاغتيال حسن نصرالله أو لتراجع «حزب الله»، بل بداية إعادة تشكيل سياسية قد تكون الأعمق منذ صعود الثنائية الشيعية. فالمعادلة التي قامت على قوة الحزب العسكرية ونفوذ حركة «أمل» داخل الدولة تتعرض لضغط متزامن: الحزب خرج مثقلاً من المواجهة مع إسرائيل، شبكة حلفائه الإقليميين تراجعت، ونبيه بري يقترب من نهاية حقبة سياسية طويلة، فيما تتقدم داخلياً معادلة حصرية السلاح بيد الدولة.
وسط هذا المشهد، يبرز تمايز متدرج بين بري و«حزب الله». رئيس المجلس يبدو أكثر تمسكاً باستقرار الحكومة ومؤسسات الدولة، وأكثر انفتاحاً على السعودية والعالم العربي وعلى التسويات التي يمكن أن تعيد الأرض والحقوق اللبنانية، فيما يحاول الحزب الحفاظ على سلاحه وانتظار تحوّل إقليمي يعيد تحسين شروطه. لكن الطرفين يدركان أن كلفة الصدام بينهما أكبر من كلفة الاختلاف، ولذلك تبدو العلاقة أقرب إلى إدارة محسوبة للتباعد من دون الوصول إلى القطيعة.
المعضلة الأعمق باتت لدى «حزب الله» نفسه: إذا أصبح الاتجاه الإقليمي والدولي قائماً على إنهاء السلاح خارج الدولة، فهل يستطيع الحزب الاحتفاظ بوظيفته العسكرية القديمة، أم سيضطر تدريجياً إلى إعادة تعريف نفسه كقوة سياسية لبنانية؟ وفي انتظار الإجابة، يبدو الرهان الأساسي للحزب على الوقت وعلى نتائج التحولات الأميركية ـ الإيرانية، بعدما تقلصت قدرته على تغيير المعادلة منفرداً في الداخل أو على الجبهة.
لكن خلف ملف السلاح بدأ سؤال آخر يتحرك بهدوء: ماذا يريد الشيعة في النظام مقابل الانتقال الكامل إلى الدولة؟ هنا تظهر طروحات غير رسمية عن ضمانات ومكاسب دستورية وإعادة توزيع لبعض مواقع السلطة، وصولاً إلى أفكار من نوع «دوحة بلاس». غير أن الاتجاه السعودي المقابل يتمسك بتطبيق الطائف لا بإعادة صياغته. ولذلك قد تكون المعركة المقبلة داخل البيت الشيعي سياسية بقدر ما هي مرتبطة بالسلاح: من يرث مرحلة نصرالله وبري، وأي موقع سيطالب به الشيعة في لبنان الذي يتشكل بعدهما؟

