بري يرسم «الخطوط الحمراء»: لا تسوية على حساب الجنوب ولا تفاوض تحت النار
في توقيت لبناني بالغ الحساسية، اختار رئيس مجلس النواب نبيه بري الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، ليرسم ما يشبه خارطة الخطوط الحمراء للمرحلة المقبلة، واضعاً حدوداً سياسية وأمنية لأي تسوية محتملة تتصل بالجنوب والسلاح والمفاوضات مع إسرائيل.
ففي كلمته تحت شعار «أمانة وطن»، بدا بري حريصاً على تثبيت معادلة أساسية: لا يجوز أن تتحول نتائج الحرب والوقائع التي تفرضها إسرائيل ميدانياً إلى شروط سياسية على لبنان. ومن هنا، رفض أن يجري التفاوض فيما تستمر العمليات العسكرية وفرض الوقائع على الأرض، محذراً من أن تتحول هذه الوقائع لاحقاً إلى أوراق تفاوضية لانتزاع تنازلات لبنانية.
وفي هذا السياق، جاء رفضه لما يسمى «المناطق التجريبية» في الجنوب، مؤكداً أن المنطقة لا يمكن تقسيمها بين شمال الليطاني وجنوبه، ولا تحويلها إلى مساحة لاختبار ترتيبات أمنية جديدة. فالجنوب، وفق مقاربته، لن يكون منطقة عازلة أو حزاماً أمنياً، ولن يقبل بأي صيغة قد تؤدي عملياً إلى تكريس واقع جغرافي أو أمني جديد على الحدود.
وفي مقابل ذلك، شدد بري على دور الجيش اللبناني ورفض التشكيك بقدرته أو إضعافه، داعياً إلى تأمين الدعم اللازم له باعتباره المؤسسة الوطنية المعنية بحماية لبنان. لكن دعمه لدور الجيش يأتي ضمن رؤية تربط تعزيز سلطة الدولة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب، لا ضمن مسار لبناني أحادي الجانب تبقى فيه الالتزامات الإسرائيلية معلقة.
وهنا تبرز إحدى أهم دلالات الخطاب: الخلاف داخل السلطة ليس على مبدأ استعادة الدولة لدورها في الجنوب بقدر ما هو على ترتيب الخطوات وضمان تنفيذها. فبينما تسعى بعبدا إلى بناء تزامن أو توازٍ بين المسارين اللبناني والإسرائيلي، يخشى بري أن يتحول هذا التوازي نظرياً إلى التزام لبناني سريع ومباشر، يقابله تسويف إسرائيلي مفتوح في الانسحاب ووقف العمليات.
أما داخلياً، فرفع بري سقف التحذير من الانزلاق إلى الفتنة، رافضاً اختزال الأزمة في مواجهة بين إسرائيل وحزب الله أو في ملف السلاح وحده. وبرأيه، فإن الخطر يتجاوز حزباً أو طائفة إلى محاولة ضرب وحدة لبنان وسلمه الأهلي، وهو ما يفسر إعادة تأكيده التمسك باتفاق الطائف ورفض الفدرالية والتقسيم أو أي إعادة رسم للنظام السياسي على أسس جغرافية وطائفية.
كما رفض أي تسوية يمكن أن تؤدي إلى إسقاط حق لبنان في ملاحقة إسرائيل على ما ارتكبته من جرائم، بالتوازي مع تأييده الجهود العربية والباكستانية الهادفة إلى خفض التوتر وإرساء الاستقرار في منطقة الخليج.
في المحصلة، لا يبدو خطاب بري اعتراضاً على تفصيل تفاوضي بقدر ما يشكل إعلاناً مبكراً عن شروطه للتسوية المقبلة: لا تفاوض تحت النار، لا تكريس لنتائج الحرب كأمر واقع، لا منطقة عازلة في الجنوب، ولا التزامات لبنانية أحادية من دون مقابل إسرائيلي واضح.
وبذلك، يضع بري النقاش في مكان أبعد من ملف السلاح وحده: من يحدد شكل الجنوب بعد الحرب؟ وما الذي يسبق الآخر: الانسحاب ووقف الاعتداءات أم تنفيذ الترتيبات اللبنانية؟ عند هذه النقطة تحديداً، تبدو ملامح التباين السياسي داخل الدولة مرشحة لأن تصبح أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة.

