بقلم:د.ميراي زيادة
في السياسة، غالباً ما تكون القنوات غير المعلنة أكثر أهمية من التصريحات العلنية. فبينما يستمر الخطاب المتشدد بين الولايات المتحدة وحزب الله، تكشف المعطيات المتداولة عن شبكة اتصالات متعددة المسارات تعمل بعيداً عن الأضواء، ما يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إدارة الأزمات عبر التفاوض غير المباشر لا عبر المواجهة المفتوحة.
اللافت في هذه المرحلة ليس وجود التواصل بحد ذاته، إذ إن قنوات الاتصال السرية لطالما كانت جزءاً من المشهد الإقليمي، بل طبيعة هذه القنوات واتساعها وتوزيعها بين بيروت والدوحة وإسلام آباد، وصولاً إلى قنوات أمنية أوروبية يُقال إنها ما زالت تلعب دوراً في الملفات الحساسة. وهذا التطور يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الملفات العالقة باتت أكبر من أن تُدار عبر الرسائل الإعلامية أو الضغوط العسكرية وحدها.
وفي موازاة ذلك، تبرز مؤشرات واضحة إلى إعادة ترتيب داخلية في حزب الله، حيث تتقدم شخصيات جديدة إلى واجهة الملفات السياسية والدبلوماسية، فيما تتراجع أدوار كانت لعقود جزءاً أساسياً من منظومة التواصل والتفاوض. ويبدو أن القيادة الحالية تسعى إلى توزيع أكثر دقة للمسؤوليات، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة بعد سنوات من الحروب والمواجهات.
أما الأهم، فهو أن تعدد قنوات التواصل يعكس حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: لا واشنطن قادرة على تجاوز تأثير حزب الله في المعادلات اللبنانية والإقليمية، ولا الحزب قادر على تجاهل التحولات الدولية والإقليمية الجارية. وبين هذين الواقعين، تستمر دبلوماسية الظل في أداء دورها، بانتظار أن تتبلور التسويات الكبرى التي يعاد على أساسها رسم توازنات الشرق الأوسط.
وفي منطقة تتغير خرائطها السياسية والأمنية بسرعة غير مسبوقة، قد تكون الرسائل التي تُنقل في الغرف المغلقة أكثر تأثيراً من كل الخطابات التي تُقال على المنابر. فالتاريخ غالباً لا يُكتب أمام الكاميرات، بل خلف الأبواب الموصدة.

