لبنان في مسار الركود التضخمي: عندما يتراجع الاقتصاد وترتفع الأسعار معًا
بقلم: د. ميراي زيادة
ما يحدث اليوم في لبنان ليس مجرد أزمة عابرة، بل بداية مسار اقتصادي صعب. فالتقديرات الصادرة عن Bank Audi تشير إلى أن البلاد تخسر نحو 75 مليون دولار يوميًا مع استمرار الحرب، وهذا الرقم لا يعني فقط خسارة مالية، بل يعني أن الاقتصاد يفقد قوته يومًا بعد يوم.
هذه الخسائر المستمرة تؤدي إلى نتيجة واضحة: تراجع في النشاط الاقتصادي، وتوقف في الاستثمارات، وضعف في حركة السوق. ومع الوقت، يصبح من الصعب على الاقتصاد أن يعود إلى طبيعته بسرعة، لأن الثقة تبدأ بالتراجع، وهي عنصر أساسي لأي نمو اقتصادي.
في هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ “الركود التضخمي”، وهو وضع صعب يجمع بين أمرين: الاقتصاد يتراجع، والأسعار ترتفع في الوقت نفسه. وهذا أخطر ما يمكن أن يواجهه أي بلد، لأن الدولة في هذه الحالة لا تستطيع أن تحفّز الاقتصاد بسهولة، ولا تستطيع أيضًا أن تخفّض الأسعار بشكل سريع. وبالتالي، تصبح الخيارات محدودة، ويزداد الضغط على المواطنين.
أما بالنسبة لارتفاع الأسعار، فهو لا يعود فقط لأسباب داخلية، بل يرتبط أيضًا بارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة كلفة النقل، إضافة إلى تأثير الحرب على الأسواق. ومع الخوف من المستقبل، يلجأ التجار أحيانًا إلى رفع الأسعار بشكل استباقي، ما يزيد من الضغط على القدرة الشرائية للناس.
وعند النظر إلى المستقبل، تظهر عدة احتمالات. في أفضل الحالات، إذا هدأت الحرب، قد يسجّل الاقتصاد نموًا صفريًا، أي أنه لن يتحسن ولكنه لن ينهار أكثر. أما إذا استمرت الحرب، فقد ينكمش الاقتصاد بنسبة تصل إلى 5% أو حتى أكثر، ما يعني خسارة وظائف وإقفال مؤسسات. وفي حال طالت الأزمة، قد يصل التراجع إلى مستويات أكبر، ما يضع البلاد أمام واقع اقتصادي أصعب.
لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن هناك فرقًا بين ما يحدث فعليًا في الاقتصاد، وما يتوقعه البعض في الأسواق. ففي حين يأمل البعض بتحسن قريب، تشير المؤشرات الواقعية إلى أن التحديات ما زالت كبيرة. وإذا استمر هذا الفرق بين التوقعات والواقع، فقد نشهد مفاجآت اقتصادية غير مريحة.
في النهاية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة. فاستمرار هذا الوضع يعني أن كلفة الوقت ترتفع، وأن أي تأخير في الحلول سيؤدي إلى خسائر أكبر. لذلك، فإن الخروج من هذا المسار يتطلب استقرارًا سياسيًا يفتح الباب أمام إعادة تحريك الاقتصاد واستعادة الثقة.

