بقلم د.أحمد.م
مساران مختلفان، تحديات متباينة، وشراكة اقتصادية لا تزال تنتظر البناء
للوهلة الأولى، يبدو أن كل شيء يفرّق بين الجزائر ولبنان: الجغرافيا، المساحة، الموارد الطبيعية، التركيبة السكانية، البنية الاقتصادية، وحتى مسار بناء الدولة. غير أن قراءة أعمق لتاريخهما الدبلوماسي ولموقعهما داخل التوازنات العربية والإقليمية تكشف عن نقاط تقاطع تستحق الاهتمام. وهي نقاط تسمح اليوم بالنظر إلى العلاقة بين الجزائر وبيروت من زاوية مختلفة، لا تقتصر على التضامن السياسي والعلاقات التاريخية، بل تمتد إلى منظور أكثر استراتيجية: منظور الذكاء الاقتصادي.
بنت الجزائر جزءاً كبيراً من عقيدتها في السياسة الخارجية على إرث حرب التحرير والاستقلال. فمنذ عام 1962، احتلت السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها مكانة مركزية في خطابها الدبلوماسي. ويمكن من خلال هذه الخلفية فهم جانب من مواقف الجزائر تجاه القضية الفلسطينية والصحراء الغربية، وكذلك تحفظها التقليدي تجاه التدخلات الخارجية في الأزمات الإقليمية.
أما لبنان، فقد تشكّل ضمن معادلة مختلفة تماماً. فصغر مساحته، وتنوعه الطائفي، واتساع جاليته في الخارج، وموقعه الجغرافي بين المتوسط والشرق الأوسط، كلها عوامل جعلته تاريخياً في قلب صراعات وتوازنات تتجاوز حدوده. لذلك واجهت السياسة الخارجية اللبنانية باستمرار معادلة دقيقة: كيف تحافظ الدولة على سيادتها في الوقت الذي تضطر فيه إلى التعامل مع مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة؟
وهنا تحديداً تظهر إحدى نقاط الالتقاء بين البلدين. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، دعمت الجزائر وحدة لبنان وسلامة أراضيه، وشاركت لاحقاً في الجهود العربية التي ساهمت في الوصول إلى مسار اتفاق الطائف سنة 1989. وبعد عقود، لا تزال هذه الذاكرة السياسية حاضرة في العلاقات الثنائية.
وقد أعادت زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى الجزائر في يوليو/تموز 2025 إبراز هذه العلاقة. وشملت المحادثات مع الرئيس عبد المجيد تبون إعادة تنشيط آليات التعاون والبحث في عدد من القطاعات الاقتصادية. واستمرت هذه الديناميكية خلال 2026 من خلال النقاش حول تطوير المبادلات والاستثمارات والشراكات بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين.
لكن هنا تظهر مفارقة أساسية: العلاقة السياسية بين الجزائر ولبنان كانت تاريخياً أعمق من العلاقة الاقتصادية.
ومن هذه النقطة تحديداً ينبغي أن تبدأ قراءة حقيقية بمنطق الذكاء الاقتصادي. فالذكاء الاقتصادي لا يقتصر على حساب حجم الصادرات والواردات، بل يقوم على تحديد الموارد، ونقاط القوة، ومصادر التبعية، والشبكات، ومواطن الهشاشة، ثم البحث عن كيفية تحويل عناصر التكامل بين الدول إلى مصالح استراتيجية مشتركة.
ومن هذه الزاوية، تمتلك الجزائر ولبنان عناصر قوة مختلفة إلى حد كبير، لكنها قابلة للتكامل. فالجزائر تمتلك ما يفتقر إليه لبنان هيكلياً: مساحة جغرافية شاسعة، موارد طاقوية، إمكانات زراعية وصناعية مهمة، قرباً من أوروبا، وامتداداً مباشراً نحو العمق الإفريقي. وفي الوقت نفسه، تسعى الجزائر إلى تقليص اعتماد اقتصادها على المحروقات، وزيادة الاستثمارات المنتجة، وتطوير صادراتها خارج قطاع الطاقة.
أما لبنان، فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها منذ 2019 وتداعيات الأزمات المتلاحقة، فإنه لا يزال يمتلك رأس مال بشرياً مهماً، وثقافة تجارية وريادية قديمة، والأهم من ذلك جالية واسعة الانتشار عبر العالم. التجارة، والصحة، والتعليم، والتكنولوجيا، والسياحة، والعقار والخدمات هي مجالات بنت فيها الشبكات اللبنانية خبرة دولية على مدى عقود.
ومن هنا، فإن الاختلاف بين الاقتصادين، وليس التشابه بينهما، قد يكون أحد أهم عناصر القوة في أي شراكة مستقبلية.
من الطاقة إلى إعادة الإعمار
يُعد قطاع الطاقة المثال الأكثر وضوحاً على هذا التكامل. فلبنان يعاني منذ عقود من خلل هيكلي في قطاع الكهرباء، بينما تعد الجزائر من أبرز منتجي المحروقات في حوض البحر الأبيض المتوسط. وعندما واجه لبنان أزمة طاقة جديدة سنة 2024، قررت الجزائر تزويده بالوقود. كان القرار يحمل بعداً تضامنياً وسياسياً، لكنه كشف في الوقت نفسه عن وجود تكامل اقتصادي موضوعي بين حاجة لبنانية وقدرة جزائرية.
لكن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المساعدات الظرفية. المطلوب هو التفكير في إمكانية تحويل هذا التكامل إلى علاقة طاقوية منظمة، مستدامة وقابلة للحياة اقتصادياً. والتجارب السابقة تؤكد في الوقت نفسه ضرورة توفير حماية قانونية ومالية صارمة لأي تعاون من هذا النوع. الثقة السياسية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الأمن التعاقدي والشفافية.
وهناك بعد آخر يستحق اهتماماً أكبر، يتعلق بإفريقيا. فالجزائر تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها الاقتصادي في القارة، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومشاريع الربط مع دول الساحل وامتدادها نحو غرب إفريقيا. والهدف يتجاوز الجغرافيا: تحويل العمق الإفريقي إلى عمق اقتصادي وتجاري.
في المقابل، تتمتع شبكات الأعمال اللبنانية بحضور تاريخي يمتد لأجيال في غرب ووسط إفريقيا. وهذه الحقيقة تفتح الباب أمام تصور مختلف للعلاقات بين البلدين: لماذا تبقى الشراكة الجزائرية اللبنانية محصورة في السوقين الجزائرية واللبنانية؟
يمكن لشركة لبنانية تسعى إلى الإنتاج أو التوسع في إفريقيا أن تجد في الجزائر قاعدة صناعية ولوجستية متوسطية ذات امتداد إفريقي. وفي الاتجاه المعاكس، يمكن للشركات الجزائرية الراغبة في الوصول إلى أسواق المشرق الاستفادة من الخبرة والعلاقات التجارية التي يمتلكها رجال الأعمال اللبنانيون.
وبهذا المعنى، يمكن لبيروت، في قطاعات معينة، أن تتحول إلى بوابة باتجاه المشرق، بينما توفر الجزائر عمقاً باتجاه إفريقيا. نحن لا نتحدث هنا عن ممر اقتصادي قائم بالفعل، بل عن فرضية جيو-اقتصادية قابلة للبناء. وهذا تحديداً أحد أدوار الذكاء الاقتصادي: اكتشاف الفرص قبل أن تصبح واضحة للجميع.
إعادة إعمار لبنان تمثل بدورها مجالاً آخر للتعاون. فالدمار الناتج عن الصراعات الأخيرة يضاف إلى احتياجات هيكلية كبيرة في السكن والطاقة والكهرباء والاتصالات والتجهيزات والبنية التحتية. ويمكن لهذه الاحتياجات أن تفتح أمام بعض الشركات الجزائرية أسواقاً في مواد البناء، والإسمنت، والحديد والصلب، والطاقة، والهندسة والأشغال العمومية.
لكن الدخول إلى سوق إعادة الإعمار لا يعني مجرد تصدير السلع. فهو يتطلب معرفة دقيقة بالفاعلين المحليين، ومسارات التمويل، والمناقصات، والمؤسسات الدولية الممولة، وشبكات المصالح والتأثير. وهنا مرة أخرى يصبح الذكاء الاقتصادي أداة لاتخاذ القرار وليس مجرد مفهوم نظري.
من الأزمات إلى مفهوم الصمود الوطني
يقدم التاريخ الحديث للبلدين أيضاً مقارنة أكثر دقة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019، شهد لبنان موجة كبيرة من الحرائق، وبعد أيام بدأت احتجاجات 17 أكتوبر الواسعة. سيكون من غير الدقيق اعتبار الحرائق سبباً مباشراً للحراك، لأن الأزمة اللبنانية كانت أعمق بكثير، ولها جذور مالية واقتصادية ومؤسساتية واجتماعية متراكمة.
لكن الحرائق لعبت دور الكاشف. فقد أظهرت كيف يمكن لكارثة بيئية أن تكشف بسرعة نقاط ضعف مؤسسات الدولة، وأن تزيد من حدة أزمة ثقة موجودة أصلاً داخل المجتمع.
والجزائر بدورها واجهت حرائق كبيرة، بما في ذلك خلال صيف 2026. والمقارنة بين التجربتين لا تعني افتراض وجود مصدر واحد أو سيناريو مشترك وراء الحرائق. لا توجد معطيات موثوقة تسمح بمثل هذا الاستنتاج. المسألة الأكثر أهمية من منظور استراتيجي تكمن في مفهوم الصمود الوطني: قدرة الدولة على امتصاص الصدمات ومنع أزمة بيئية أو أمنية من التحول إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
وتزداد أهمية هذه المسألة في عصر الحروب الهجينة، وحملات التضليل، والتنافس الاقتصادي بين الدول. فالكارثة قد تضرب في الوقت نفسه البنية التحتية، والنشاط الاقتصادي، والثقة في المؤسسات والصورة الدولية للدولة. ومن هنا يصبح الأمن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.
كما تتحرك الجزائر ولبنان بالقرب من خطوط صدع جيوسياسية شديدة الحساسية. ففي المغرب العربي، تفرض العلاقات الجزائرية المغربية، وقضية الصحراء الغربية، وعدم الاستقرار في الساحل، وتنامي حضور القوى الخارجية تحديات مستمرة. أما لبنان، فيبقى متأثراً بصورة مباشرة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتوترات التي تشمل إسرائيل وإيران، والتحولات السورية، والتنافس بين القوى الإقليمية.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الفصل بين الاقتصاد والدبلوماسية أكثر صعوبة. الجزائر تمتلك الموارد وتبحث عن أسواق جديدة، بينما يمتلك لبنان شبكات اقتصادية ويحتاج إلى الاستثمار والاستقرار وإعادة الإعمار. وبين الطرفين توجد مساحة اقتصادية لم تُستغل بعد بالشكل الكافي.
ثلاث مبادرات لصناعة ديناميكية جديدة
يمكن البدء بمبادرة أولى تتمثل في إنشاء مجلس اقتصادي جزائري–لبناني دائم، يضم الشركات والمستثمرين والبنوك ومنظمات أرباب العمل والإدارات المعنية في البلدين. والهدف ليس إنشاء مؤسسة بروتوكولية إضافية، وإنما منصة تنفيذية تحدد المشاريع، وتربط المستثمرين ببعضهم، وترافق الاستثمارات وتساعد على إزالة العقبات الإدارية.
ويمكن اختيار مجموعة من المشاريع ذات الأولوية سنوياً في قطاعات الطاقة والبناء والزراعة والصناعات الغذائية والصحة والصناعة الصيدلانية والرقمنة والسياحة واللوجستيك. كما يمكن تنظيم ملتقى اقتصادي سنوي بالتناوب بين الجزائر وبيروت لتقييم النتائج. المعيار الحقيقي لنجاح العلاقة يجب ألا يكون عدد الاجتماعات التي تعقد، بل عدد المشاريع التي تتحول فعلاً إلى استثمارات ونشاط اقتصادي.
أما المبادرة الثانية فتتمثل في بناء محور اقتصادي الجزائر–بيروت موجه نحو إفريقيا والمشرق. والهدف هنا هو تشجيع إنشاء شركات مشتركة جزائرية–لبنانية قادرة على العمل في أسواق ثالثة. توفر الجزائر قاعدة وعمقاً باتجاه إفريقيا، بينما يمكن للشبكات اللبنانية تسهيل الوصول إلى بعض أسواق المشرق وإلى شبكات الأعمال الدولية المنتشرة عبر الجالية.
يمكن، على سبيل المثال، لشركة جزائرية متخصصة في مواد البناء أن تدخل في شراكة مع متعامل لبناني يمتلك شبكات تجارية في إفريقيا. وفي الاتجاه الآخر، يمكن لمجموعة لبنانية تعمل في الصحة أو الفندقة أو التكنولوجيا أو الخدمات أن تعتمد على الجزائر منصةً لتطوير بعض أنشطتها الإفريقية.
عندها لن يكون الهدف مجرد زيادة التجارة بين الجزائر ولبنان، بل بناء مصالح اقتصادية على محوري الجزائر–لبنان–إفريقيا والجزائر–لبنان–المشرق. وهذه النقلة قد تكون أكثر أهمية على المدى الطويل من مجرد زيادة المبادلات التجارية الثنائية.
أما المبادرة الثالثة، فتتمثل في إنشاء آلية استثمار جزائرية–لبنانية موجهة للاستثمار وإعادة الإعمار، تجمع رؤوس الأموال الخاصة والمستثمرين المؤسساتيين وأبناء الجالية، إلى جانب آليات الدعم العمومي عندما يكون ذلك مناسباً. في لبنان، يمكن لهذه الآلية أن ترافق مشاريع في الطاقة والصحة والمياه والسكن والرقمنة. وفي الجزائر، يمكن أن تدعم الاستثمارات اللبنانية في الصناعة والصناعات الغذائية والسياحة والتكنولوجيا والمشاريع الموجهة نحو الأسواق الإفريقية.
ويمكن للجالية اللبنانية أن تؤدي دوراً مهماً في هذه الآلية، ليس فقط من خلال رأس المال، وإنما من خلال شبكاتها وعلاقاتها الاقتصادية الدولية. لكن نجاح مثل هذا المشروع يتطلب حوكمة مستقلة، وتدقيقاً صارماً، وشفافية في اختيار الاستثمارات وآليات قوية للامتثال. في البيئات الاقتصادية المعقدة، تتحول الثقة المؤسسية نفسها إلى أصل اقتصادي.
وتتكامل المبادرات الثلاث ضمن منطق واحد: المجلس الاقتصادي يحدد الفرص ويربط الفاعلين، والشركات المشتركة تحول تلك الفرص إلى مشاريع وأسواق، بينما توفر آلية الاستثمار جزءاً من الأدوات المالية اللازمة لتنفيذها. المؤسسة، السوق ورأس المال يمكن أن تشكل بذلك الركائز الثلاث لبنية اقتصادية جزائرية–لبنانية جديدة.
على مدى عقود، قامت العلاقات بين الجزائر وبيروت أساساً على الدبلوماسية والتقارب السياسي والتضامن في عدد من قضايا العالم العربي. وتظل هذه القاعدة مهمة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال نحو الاقتصاد. لقد صنع التاريخ تقارباً سياسياً، ويبقى بناء مجتمع مصالح اقتصادية قادراً على الاستمرار مهما تغيرت الظروف الإقليمية.
في شرق المتوسط الذي تعصف به الصراعات، وفي مغرب عربي يعاني من الانقسامات، وفي إفريقيا التي تحولت إلى أحد أبرز ميادين المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، يمتلك البلدان عناصر قوة مختلفة لكنها قابلة للتكامل. تمتلك الجزائر العمق الجغرافي والطاقوي والإفريقي، بينما يحتفظ لبنان، رغم أزماته، بعمق بشري وريادي واغترابي يتجاوز بكثير مساحة أراضيه.
لذلك ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا تستطيع الجزائر أن تقدم للبنان، أو ماذا يستطيع لبنان أن يقدم للجزائر؟
السؤال الأهم هو: ماذا يستطيع البلدان أن يبنيا معاً في الفضاءات الاقتصادية المحيطة بهما؟
لأن العلاقات الاستراتيجية، بمنطق الذكاء الاقتصادي، لا تُبنى دائماً على تشابه المصالح، بل كثيراً ما تبدأ من القدرة على تحويل الاختلاف إلى تكامل، والتقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية مستدامة.
أحمد.م
الذكاء الاقتصادي والجيوسياسة

