بقلم: د. ميراي زيادة
منذ التدخل العسكري الأميركي في لبنان عام 1958 وصولاً إلى إدارة دونالد ترامب الثانية عام 2026، يبرز سؤال أساسي في قراءة العلاقات الأميركية–اللبنانية: هل تتبدّل السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه لبنان والشرق الأوسط بتبدّل الحزب الحاكم بين الجمهوريين والديمقراطيين، أم أن المصالح الاستراتيجية الأميركية تبقى ثابتة، فيما تختلف وسائل تنفيذها؟
تكشف القراءة التاريخية أن التباين بين الحزبين لا يعني بالضرورة اختلافاً جذرياً في الأهداف. فحماية أمن إسرائيل، والمحافظة على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، واحتواء القوى الإقليمية المناهضة لواشنطن، شكّلت أولويات متكررة لدى الإدارات الجمهورية والديمقراطية.
غير أن الاختلاف يظهر في الأدوات: فبعض الإدارات الجمهورية فضّلت الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية، بينما أعطت إدارات ديمقراطية مساحة أوسع للمفاوضات والتسويات الدبلوماسية، من دون أن يشكّل ذلك قاعدة مطلقة.
ولبنان هو أحد أبرز الأمثلة على هذه المعادلة، إذ تأثّر على امتداد عقود بالتحوّلات في السياسة الأميركية، لكنه بقي في كثير من الأحيان جزءاً من حسابات إقليمية أوسع تتصل بإسرائيل وسوريا وإيران.
من الجمهوريين إلى الديمقراطيين: المصالح الأميركية أولاً
في عام 1958، تدخّل الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور عسكرياً في لبنان لحماية النفوذ الغربي في مواجهة تصاعد المدّ الناصري. لكنه قبل لاحقاً بتسوية سياسية لبنانية انتهت بانتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.
وفي عهد الجمهوري رونالد ريغان، انخرطت الولايات المتحدة عسكرياً في لبنان خلال الحرب الأهلية، قبل أن تنسحب عام 1984 بعد تفجير مقر المارينز.
أما في عهد الجمهوري جورج بوش الأب، فقد قبلت واشنطن بواقع النفوذ السوري الواسع في لبنان، بالتزامن مع التعاون الأميركي–السوري خلال حرب الخليج.
ومع وصول الديمقراطي بيل كلينتون، لم يحدث انقلاب جذري في هذه المقاربة، بل استمر التعامل مع سوريا بوصفها طرفاً أساسياً في التوازنات الإقليمية ومفاوضات السلام.
لكن إدارة الجمهوري جورج بوش الابن دعمت القرار 1559، ومارست ضغوطاً سياسية ساهمت، إلى جانب التحركات اللبنانية والدولية، في انسحاب القوات السورية عام 2005.
ثم جاءت إدارة الديمقراطي باراك أوباما لتتبنّى الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، قبل أن ينسحب منه الجمهوري دونالد ترامب عام 2018 ويعتمد سياسة الضغط الأقصى على طهران.
وفي عهد الديمقراطي جو بايدن، عادت الدبلوماسية إلى الواجهة عبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، والوساطة التي ساهمت في التوصل إلى تفاهم وقف الأعمال العدائية عام 2024.
ومع عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض في عهد ترامب الثاني، برز تشديد متزايد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وربط الاستقرار الإقليمي بإعادة تشكيل التوازنات الأمنية.
هل الاختلاف بين الحزبين حقيقي؟
نعم، لكنه يظهر بصورة أوضح في الوسائل والأولويات المرحلية، وليس بالضرورة في المصالح الاستراتيجية النهائية.
فالجمهوريون والديمقراطيون قد يختلفون بشأن كيفية التعامل مع إيران، أو توقيت استخدام القوة العسكرية، أو جدوى العقوبات والمفاوضات، لكنهم يتقاطعون في حماية المصالح الأميركية الأساسية.
والأهم أن هذه الاختلافات في الوسائل قد تؤدي إلى نتائج متباينة جداً بالنسبة إلى لبنان.
فالدبلوماسية قد تفتح باب التسويات، والعقوبات قد تغيّر موازين القوى، والتدخل العسكري قد يفرض وقائع جديدة، لكن أياً من هذه الأدوات لا يضمن وحده قيام دولة لبنانية قوية ومستقلة.
لبنان بين السيادة والمصالح الإقليمية
تُظهر التجربة أن واشنطن دعمت السيادة اللبنانية في محطات مفصلية، لكنها قبلت أيضاً بتوازنات إقليمية حدّت من استقلال القرار اللبناني.
ففي عام 1990، تقدّمت اعتبارات التحالفات الإقليمية على إنهاء النفوذ السوري في لبنان، بينما أظهرت حرب تموز 2006 أن الدعم الأميركي لاستقلال لبنان لم يمنع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على أراضيه.
واليوم، تتجدّد الإشكالية نفسها في النقاش حول حصرية السلاح بيد الدولة، ودور الجيش اللبناني، والالتزامات الأمنية المتبادلة بين لبنان وإسرائيل.
لبنان بحاجة إلى سياسة وطنية ثابتة
إن المقارنة بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية منذ عام 1958 تؤكد أن السياسة الأميركية ليست ثابتة بالكامل، وليست متغيّرة بالكامل.
الثابت هو المصالح الاستراتيجية الأميركية، والمتغيّر هو الأدوات المستخدمة لتحقيقها، فيما يتحمّل لبنان نتائج هذه الخيارات وتداعياتها.
لذلك، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان لا ينبغي أن يكون أي الحزبين الأميركيين أكثر دعماً له، بل كيف يستطيع بناء سياسة خارجية وطنية تستفيد من العلاقات الدولية من دون الارتهان إلى التحولات الحزبية في واشنطن.
فالجمهوريون والديمقراطيون يتنافسون على إدارة المصالح الأميركية، أما اللبنانيون فعليهم أن يتّفقوا على كيفية حماية مصالح دولتهم.

