بقلم: د. ميراي زيادة
لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية مجرد معركة بين الجمهوريين والديمقراطيين للسيطرة على الكونغرس، بل تحولت إلى اختبار سياسي للرئيس دونالد ترامب، ولسياساته الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران. فالنتائج التي أضعفت موقع الحزب الجمهوري فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحسابات الأميركية، وطرحت ثلاثة أسئلة أساسية: لماذا خسر ترامب؟ كيف سيتعامل مع إيران بعد هذه النكسة؟ وهل ستقرأ طهران النتائج باعتبارها فرصة للتسوية أم انتصاراً يسمح لها بتشديد شروطها؟
أولاً: لماذا خسر ترامب؟ وهل دفع ثمن الحرب مع إيران؟
لا يمكن فصل التراجع الانتخابي الجمهوري عن الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وارتفاع كلفة المعيشة، والتضخم، والاستياء من أداء الإدارة الأميركية. لكن الحرب مع إيران قد تكون أحد أبرز العوامل التي ضاعفت هذا الاستياء.
فالناخب الأميركي الذي انتظر من ترامب تحسين الاقتصاد وتخفيف الأعباء المالية وجد نفسه أمام مواجهة عسكرية انعكست على أسعار الطاقة والأسواق، وأثارت تساؤلات حول كلفتها ومدتها والنتائج المرجوة منها.
ولم تكن المشكلة في الحرب وحدها، بل في طريقة إدارتها. فالتنقل بين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى المفاوضات، وبين الحديث عن الحسم العسكري والبحث عن تسوية، ساهم في إظهار السياسة الأميركية وكأنها تفتقر إلى استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة.
وهكذا، يمكن قراءة جزء من التصويت لمصلحة الديمقراطيين باعتباره تصويتاً عقابياً ضد أداء ترامب، وليس بالضرورة تأييداً كاملاً للبرنامج الديمقراطي.
والأخطر بالنسبة إلى الرئيس الأميركي أن هذه النتائج قد تدفع بعض الجمهوريين إلى إعادة حساباتهم، والابتعاد تدريجياً عن مواقفه عندما تصبح كلفتها الانتخابية أكبر من فوائدها السياسية.
ثانياً: هل يختار ترامب التسوية مع إيران أم التصعيد لتعويض خسارته؟
أمام ترامب ثلاثة مسارات محتملة، لكل منها انعكاساته على الشرق الأوسط.
المسار الأول هو العودة الجدية إلى المفاوضات، والاستفادة من الوساطات، ولا سيما القطرية، للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني والتهديدات الإقليمية، مقابل تخفيف مدروس للعقوبات. وهذا المسار يمنح ترامب فرصة لتقديم إنجاز دبلوماسي يعوّض جزءاً من خسائره السياسية، ويخفف الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالمواجهة.
أما المسار الثاني، فهو استمرار معادلة «لا حرب ولا اتفاق»، أي إبقاء العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة أو تسوية نهائية. وهذا الخيار قد يطيل أمد الاستنزاف، ويُبقي المنطقة في حالة توتر مفتوح، فيما تراهن إيران على مرور الوقت وتبدل الظروف السياسية الأميركية.
ويبقى المسار الثالث، وهو الأخطر، المتمثل في لجوء ترامب إلى جولة عسكرية جديدة بهدف استعادة صورة الرئيس القوي وتحقيق انتصار خارجي يعوض الهزيمة الداخلية. غير أن هذا الخيار ينطوي على مخاطرة كبيرة، لأن إيران قد تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها العسكرية والاقتصادية، ما يجعل أي حرب جديدة أصعب من حيث السيطرة على نتائجها.
وفي تقديري، تبدو التسوية أكثر انسجاماً مع المصالح الأميركية في هذه المرحلة، لكن ذلك لا يعني استبعاد التصعيد. فترامب قد يجد في الاتفاق فرصة لإعلان النصر، كما قد يعتبر أن التراجع أمام إيران سيزيد من ضعفه السياسي. والقرار سيتوقف على طبيعة التنازلات التي تستطيع واشنطن انتزاعها من طهران، وعلى قدرة الإدارة على تسويقها داخلياً.
ثالثاً: هل ربحت إيران فعلاً من هزيمة ترامب؟
قد تنظر طهران إلى النتائج الأميركية باعتبارها مكسباً سياسياً، خصوصاً إذا اعتقدت أن الحرب ساهمت في إضعاف ترامب وحزبه، وأن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تحقق الأهداف الأميركية المعلنة.
لكن الخطأ الاستراتيجي الذي قد تقع فيه إيران هو الخلط بين خسارة ترامب الانتخابية وانتصارها على الولايات المتحدة.
فالديمقراطيون الذين يعارضون الحرب لا يؤيدون بالضرورة تقديم تنازلات لإيران، ولا يقبلون بامتلاكها سلاحاً نووياً أو بتوسيع نفوذها العسكري من دون قيود. بل قد يمارسون ضغوطاً إضافية على ترامب لمنعه من توقيع اتفاق يعتبرونه ضعيفاً أو غير متوازن.
وهنا تصبح طهران أمام امتحان سياسي دقيق: إما أن تبالغ في تقدير قوتها وترفع سقف شروطها، فتضيع فرصة التسوية، وإما أن تعتمد مقاربة واقعية تستفيد من حاجة واشنطن إلى اتفاق، مقابل تقديم تنازلات محسوبة تضمن مصالحها.
فخسارة ترامب لا تعني أن إيران ربحت الحرب، كما أن بقاء النظام الإيراني لا يعني أنه خرج منها أقوى اقتصادياً أو استراتيجياً.
وأين لبنان من هذه المعادلة؟
بالنسبة إلى لبنان، فإن خطورة المرحلة لا تقتصر على احتمال اندلاع حرب أميركية إيرانية جديدة، بل تمتد إلى طبيعة التسوية التي قد تنشأ بين الطرفين.
فواشنطن قد تتوصل إلى اتفاق مع طهران بشأن الملف النووي وبعض الترتيبات الأمنية، من دون أن تجعل وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان شرطاً أساسياً لإنجاحه.
وفي المقابل، قد تصر إسرائيل على إبقاء الضغط العسكري على حزب الله لمنع إعادة بناء قدراته، حتى في حال تراجع احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران.
وهذا يعني أن لبنان قد يجد نفسه أمام مفارقة خطيرة: تهدئة بين واشنطن وطهران، مقابل استمرار التوتر على حدوده الجنوبية.
أما إذا اختار ترامب التصعيد العسكري، فإن خطر اتساع المواجهة ليشمل لبنان سيرتفع، خصوصاً في ظل ارتباط الجبهة اللبنانية بحسابات الصراع الإقليمي.
لذلك، لا يجوز أن تبقى الدولة اللبنانية في موقع الانتظار، تراهن على نتائج الانتخابات الأميركية أو على طبيعة الاتفاق المحتمل مع إيران. فالمطلوب موقف سيادي واضح، يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، والمطالبة بضمانات دولية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.
الخلاصة: هزيمة ترامب لا تعني انتصار إيران، والتسوية الأميركية الإيرانية لا تعني بالضرورة سلاماً للبنان.
فالولايات المتحدة ستفاوض انطلاقاً من مصالحها، وإيران ستسعى إلى الحفاظ على نفوذها، وإسرائيل ستتمسك بمطالبها الأمنية. أما لبنان، فإذا لم يمتلك قراراً وطنياً موحداً، فقد يجد نفسه خارج طاولة المفاوضات، لكنه في قلب نتائجها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يذهب ترامب إلى الحرب أو إلى التسوية، بل أن يتفق الجميع على مصالحهم، ويبقى لبنان وحده يدفع ثمن صراعاتهم.

