بقلم: د. ميراي زيادة
ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم يؤكد أن الدبلوماسية، عندما تُدار من موقع الدولة، قد تحقق ما عجزت عنه سنوات طويلة من الحروب والمواجهات.
لقد بُنيت شرعية مشروع حزب الله لعقود على مقولة مفادها أن البندقية وحدها تصنع الإنجازات، وأن القوة العسكرية هي الطريق الوحيد لتحرير الأرض وصناعة التوازنات. إلا أن الوقائع بدأت ترسم مشهداً مختلفاً، عنوانه أن الدولة، حين تستعيد قرارها، تصبح قادرة على انتزاع المكاسب عبر الشرعية والمؤسسات والتفاوض، لا عبر منطق الميليشيا.
من هنا، لا يمكن النظر إلى اللقاء التاريخي بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنه مجرد محطة بروتوكولية، بل هو نقطة تحول في مسار الجمهورية اللبنانية. إنه إعلان عن انتقال لبنان من مرحلة إدارة الأزمات إلى محاولة صناعة الحلول، ومن منطق الساحات المفتوحة إلى منطق الدولة التي تفاوض باسم شعبها وتحمي سيادتها عبر مؤسساتها الشرعية.
ولم يكن إعلان وزارة الخارجية الأميركية، عشية هذا اللقاء، عن إطلاق أولى المناطق النموذجية للانسحاب الإسرائيلي من فرون وصريفة وزوتر الغربية تفصيلاً تقنياً عابراً، بل رسالة سياسية واضحة بأن اتفاق الإطار دخل مرحلة التنفيذ العملي. فهذه المناطق تشكل النموذج الأول لآلية تقوم على الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وإشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG-4L)، تمهيداً لتوسيع التجربة على بقية المناطق الجنوبية.
أما إعلان قيادة الجيش بدء الانتشار في زوطر الغربية ومواصلة تنفيذ المهمات في فرون وبنت جبيل وصريفة، فيؤكد أن المؤسسة العسكرية أصبحت الركيزة الأساسية لاستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن الجيش اللبناني هو المرجعية الأمنية الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي تخلفه الانسحابات الإسرائيلية.
إن ما يجري اليوم يتجاوز الجنوب اللبناني. إنه إعادة رسم لمعادلة القوة داخل الدولة نفسها. فحين يصبح الإنجاز ثمرة تفاوض تقوده الجمهورية، ومؤسسة عسكرية تحظى بالثقة، ودعم دولي يترجم إلى خطوات تنفيذية، تتراجع تدريجياً شرعية السلاح الخارج عن إطار الدولة، لأن الدولة تكون قد أثبتت أنها قادرة على تحقيق النتائج التي احتكر الآخرون الادعاء بتحقيقها.
لقد دخل لبنان لحظة مفصلية؛ لحظة لا تُختبر فيها قوة السلاح، بل قوة الدولة. فإذا نجحت هذه المرحلة، فإن الجمهورية لن تستعيد فقط جزءاً من أرضها، بل ستستعيد أيضاً حقها الحصري في القرار، وفي الأمن، وفي السيادة.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي: أن تتحول هذه الفرصة التاريخية إلى مشروع وطني دائم، لا إلى هدنة سياسية عابرة، وأن يكون الجنوب بداية عودة الدولة إلى كامل الجغرافيا اللبنانية، لا مجرد تجربة محدودة.
فالدول لا تُبنى بالميليشيات، بل بالمؤسسات، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالشرعية، ولا تنتصر إلا عندما يكون قرار الحرب والسلم بيدها وحدها.

