بقلم د. ميراي زيادة
بعيداً عن العناوين السياسية والعسكرية التي رافقت الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز بند اقتصادي قد يكون الأكثر أهمية وتأثيراً على المدى الطويل، ويتمثل في إنشاء صندوق استثماري ضخم بقيمة 300 مليار دولار تحت اسم “صندوق إعادة الإعمار والتنمية”.
في الظاهر، يبدو الأمر وكأنه مبادرة اقتصادية تهدف إلى دعم إعادة إعمار ما تضرر من الحرب وتحفيز الاقتصاد الإيراني.
لكن في العمق، يتجاوز المشروع بكثير مسألة إعادة البناء، ليشكل محاولة لإعادة دمج إيران تدريجياً في الاقتصاد العالمي بعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات والعزلة المالية.
اللافت أن أكثر من 150 مليار دولار من قيمة الصندوق تم تأمينها مسبقاً عبر التزامات من شركات ومستثمرين من الولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، ما يعكس حجم الرهان الدولي على نجاح الاتفاق وتحويله من هدنة مؤقتة إلى مسار استقرار طويل الأمد.
كما أن الصندوق لا يتضمن أموالاً حكومية أو تعويضات مباشرة، بل يعتمد بالكامل على استثمارات القطاع الخاص. وهذا التفصيل ليس تقنياً فحسب، بل سياسي أيضاً، إذ إنه يسمح لواشنطن برفض دفع تعويضات مباشرة لطهران، وفي الوقت نفسه يمنح إيران فرصة الحصول على تدفقات مالية واستثمارية ضخمة تحتاجها بشدة لإعادة تشغيل اقتصادها.
ومن المتوقع أن تتوزع الاستثمارات على قطاعات حيوية تشمل الطاقة والنفط والغاز والمصافي والمطارات والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات الثقيلة والبنية التحتية التي تضررت خلال الحرب. وهي قطاعات قادرة على إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الإيراني إذا ما نُفذت المشاريع الموعودة فعلاً.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا الصندوق لا تكمن فقط في حجمه المالي، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فالاتفاق لم يعد مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار أو إعادة فتح مضيق هرمز، بل أصبح مشروعاً اقتصادياً ضخماً يربط الاستقرار الإقليمي بمصالح مالية واستثمارية هائلة. وكلما ارتفعت قيمة المصالح الاقتصادية المشتركة، ازدادت كلفة العودة إلى المواجهة العسكرية.
من هنا، يمكن اعتبار صندوق الـ300 مليار دولار أحد أهم الضمانات غير المعلنة لاستمرار التهدئة بين واشنطن وطهران. فهو يحول السلام من خيار سياسي مؤقت إلى مصلحة اقتصادية دولية واسعة النطاق، ويجعل نجاح الاتفاق مرتبطاً بمئات المليارات من الدولارات التي تنتظر الدخول إلى السوق الإيرانية.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون هذا الصندوق بداية لعودة إيران إلى الاقتصاد العالمي، أم أنه سيبقى رهينة التجاذبات السياسية والأمنية التي لطالما أعاقت أي محاولة لتطبيع العلاقة بين طهران والغرب؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان الاتفاق يمثل مجرد هدنة مؤقتة، أم أنه يؤسس فعلاً لشرق أوسط جديد تُرسم معالمه بالاستثمارات والاقتصاد أكثر مما تُرسم بالسلاح والحروب

