لبنان أمام ثلاث عقبات مالية كبرى… فهل اقترب الحل؟
بقلم: د. ميراي زياده
يعيش لبنان اليوم واحدة من أصعب المراحل المالية في تاريخه الحديث. وبينما تتواصل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، تشير مصادر مالية فرنسية مطلعة إلى أن طريق التعافي ما زال يمر عبر ثلاث عقبات أساسية لا يمكن تجاوز الأزمة من دون معالجتها.
أولاً: قانون إصلاح المصارف
تتمثل العقبة الأولى في إقرار قانون إصلاح المصارف أو ما يعرف بقانون التسوية المصرفية.
فبعد ملاحظات عديدة أبداها صندوق النقد الدولي على النسخة الأولى من القانون، تم إدخال تعديلات جوهرية عليه للوصول إلى صيغة أكثر توافقاً مع المعايير الدولية. إلا أن إقراره داخل مجلس النواب لا يزال غير مضمون بسبب اعتراض بعض النواب على عدد من البنود، وخصوصاً ما يتعلق بتركيبة الهيئة المصرفية العليا.
وترى المصادر الفرنسية أن نجاح البرلمان في إقرار هذا القانون سيشكل رسالة إيجابية إلى المجتمع الدولي تؤكد جدية لبنان في تنفيذ الإصلاحات، فيما سيؤدي فشله إلى تعزيز الشكوك حول قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المطلوبة.
ثانياً: الفجوة المالية وحقوق المودعين
أما العقبة الثانية فتتعلق بمعالجة الفجوة المالية التي نشأت نتيجة انهيار القطاع المصرفي، وهي القضية الأكثر حساسية بالنسبة للمودعين.
وتعتبر المصادر الفرنسية أن القانون المطروح حالياً يحتاج إلى تعديلات إضافية ليصبح قابلاً للتنفيذ. كما تطرح سؤالاً أساسياً يتعلق بمصادر التمويل اللازمة لإعادة جزء من الودائع.
وبحسب التقديرات، يمكن لمصرف لبنان أن يساهم بنحو ستة مليارات دولار من أصوله بالعملة الأجنبية، فيما يفترض أن تتحمل المصارف جزءاً من المسؤولية عبر مساهمة إضافية تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار.
وفي محاولة لتخفيف الضغط على السيولة، يجري البحث في تمديد فترات سداد الودائع وفق حجم كل وديعة، بحيث ترتفع مدة السداد كلما ارتفعت قيمة المبلغ المستحق.
كما يبرز نقاش آخر يتعلق بالمودعين الذين استفادوا سابقاً من التعميمين 158 و166، إذ تتساءل المصادر عما إذا كانت الأموال التي حصلوا عليها سابقاً يجب أن تُحتسب ضمن المبالغ التي سيحصلون عليها مستقبلاً.
ثالثاً: إعادة بناء المالية العامة
العقبة الثالثة والأصعب تتعلق بالمالية العامة للدولة.
فكل الخطط التي وضعتها وزارة المالية وصندوق النقد خلال الفترة الماضية كانت تستند إلى توقعات بتحسن النمو الاقتصادي وزيادة الإيرادات. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى واقع مختلف تماماً.
فالنمو المتوقع لعام 2026 يبدو سلبياً، فيما تعاني الإيرادات العامة من حالة ركود واضحة، في وقت يصعب فيه خفض الإنفاق الحكومي بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة.
لذلك، تؤكد المصادر الفرنسية أن لبنان يحتاج إلى إعادة صياغة كاملة لخطته المالية للسنوات المقبلة، بما يتناسب مع الواقع الجديد.
ماذا بعد؟
رغم صعوبة المشهد، لا تزال هناك نافذة أمل.
فالمصادر الفرنسية تعتقد أن صندوق النقد الدولي قد يتعامل بمرونة مع لبنان إذا لمس تقدماً فعلياً في الإصلاحات. وفي حال نجحت الدولة في تجاوز العقبات الثلاث، يمكن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يؤمن ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار.
كما أن هذا الاتفاق قد يفتح الباب أمام مؤتمر دولي للمانحين يوفر تمويلاً إضافياً يتراوح بين سبعة واثني عشر مليار دولار، ما يشكل دفعة أساسية لإعادة تحريك الاقتصاد اللبناني.
اذا المشكلة في لبنان لم تعد مرتبطة بتشخيص الأزمة، بل بقدرة الدولة على اتخاذ القرارات المطلوبة. فطريق الإنقاذ معروف، لكنه يمر عبر إصلاح المصارف، ومعالجة الفجوة المالية، وإعادة تنظيم المالية العامة. أما التأخير أو التعثر في أي من هذه الملفات، فقد يعني استمرار الأزمة لسنوات إضافية ودفع كلفة أكبر على الاقتصاد والمواطنين.

