في ظلّ التحوّلات العميقة التي يشهدها الاقتصاد اللبناني، ولا سيّما تراجع الثقة بالقطاع المصرفي وتبدّل سلوكيات المستثمرين، تبرز الأسواق المالية مجددًا كأحد المسارات الممكنة لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية ضمن نموذج أكثر تنوّعًا وتوازنًا.
في هذا السياق، تكتسب المقاربة التي يطرحها نائب رئيس هيئة الأسواق المالية اللبنانية، الدكتور محمود جباعي، أهمية خاصة، إذ تقوم على إعادة ترتيب أولويات السوق انطلاقًا من تعزيز الإطار التنظيمي وتفعيل الدور الرقابي، باعتبارهما شرطين أساسيين لأي مسار نهوض مستدام.
أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة يتمثّل في الانتقال التدريجي من نموذج اقتصادي قائم على الفوائد المصرفية إلى نموذج يرتكز على الاستثمار. ويواكب هذا التحوّل توجّه متزايد نحو أدوات السوق المالية، من أسهم وسندات وخدمات وساطة، ما يعكس تغيّرًا ملموسًا في سلوك الأفراد والمؤسسات على حدّ سواء.
غير أن تثبيت هذا المسار يبقى مرتبطًا بوجود بيئة تنظيمية فعّالة، وهو ما يظهر من خلال الجهود المبذولة لتطوير الأطر الرقابية، وتنظيم عمل الشركات، وتعزيز آليات المتابعة والمساءلة. هذه الخطوات لا تُختزل بطابع تقني، بل تؤسّس تدريجيًا لمناخ أكثر استقرارًا ووضوحًا في السوق.
وعلى الصعيد المؤسساتي، تبرز مؤشرات أولية على تحسّن الأداء، من خلال إعادة تنظيم الرسوم والجباية، ما أتاح امكانية تحقيق ايرادات مالية تقدر بضعف القيمة السابقة سنويا، في إشارة إلى بداية انتظام العمل وتعزيز الكفاءة داخل الهيئة.
بالتوازي، تشهد بورصة بيروت محاولات لإعادة تفعيل دورها، مع التوجّه نحو اعتماد التداول بـ“الفريش دولار”، وهي خطوة من شأنها تعزيز الشفافية وتوضيح آليات التسعير، بما يساهم في استعادة الثقة تدريجيًا لدى المستثمرين.
ضمن هذا الإطار، يتكرّس دور هيئة الأسواق المالية كجهة تنظيمية تسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية المستثمرين وتحفيز النشاط المالي، بما ينسجم مع الاتجاهات العالمية التي تعطي الأسواق المالية دورًا محوريًا في دعم الاقتصادات.
وفي التقييم الموضوعي، يُسجَّل لادارة هيئة الاسواق المالية الجديدة اعتماد مقاربة مؤسساتية هادئة ترتكز على التنظيم والانضباط، مع التركيز على تحقيق نتائج تدريجية قابلة للبناء عليها، بعيدًا عن الطروحات الشعبوية أو الحلول السريعة. هذه المقاربة، وإن كانت تعتمد التراكم البطيء، إلا أنها تساهم في وضع أسس أكثر صلابة لاستعادة الثقة بالسوق.
في المحصلة، ما يجري اليوم لا يقتصر على معالجة قطاع محدّد، بل يشكّل جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة من داخل المؤسسات، حيث تبرز الأسواق المالية كخيار اقتصادي مالي واقعي قادر على المساهمة في تخفيف تداعيات الأزمة وفتح آفاق جديدة للاستثمار ضمن بيئة أكثر تنظيمًا واستقرارًا.

