بقلم :د.ميراي زيادة
منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش لبنان معادلة ملتبسة: دولة تعلن سيادتها، وسلاح يعمل خارجها.
كانت الحكومات المتعاقبة تتجنب الاقتراب من هذه المسألة، أو تؤجلها تحت عناوين مختلفة: مقاومة، توازنات، أو ظروف إقليمية.
لكن قرار الحكومة الصادر في 2 آذار بحظر النشاط العسكري والأمني خارج إطار الدولة وضع هذه المعادلة أمام لحظة اختبار حقيقية.
فالقرار لا يمكن أن يبقى مجرد إعلان سياسي. إذا لم يتحول إلى إجراءات على الأرض، فإنه يصبح مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من البيانات التي لم تغيّر شيئاً في الواقع.
المشكلة أن لبنان اعتاد طوال أربعين عاماً إدارة المشكلة بدل حلّها.
أما اليوم، فالسؤال لم يعد نظرياً:
كيف سينفَّذ القرار؟
السيناريو الأول: التنفيذ الصارم
السيناريو الأول يفترض أن الدولة قررت التعامل مع قرارها بجدية كاملة.
وهذا يعني ببساطة أن تبدأ الدولة بتطبيق ما أعلنته:
منع أي إطلاق للصواريخ أو المسيّرات من الأراضي اللبنانية.
ملاحقة كل من يشارك في هذه العمليات.
ضبط المناطق التي تُستخدم لإطلاق الصواريخ.
في هذا المسار، تصبح الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش، ملزمة بتنفيذ قرار الحكومة.
فالأمر ليس خياراً سياسياً للمؤسسة العسكرية، بل واجب نابع من كونها الجهة المكلفة بتنفيذ قرارات السلطة التنفيذية.
لكن هذا السيناريو يحمل مخاطره أيضاً، لأن التنفيذ الصارم قد يفتح الباب أمام احتكاكات أمنية، خصوصاً في مناطق حساسة حيث يتداخل النفوذ السياسي والعسكري.
ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو الوحيد الذي يترجم القرار فعلياً إلى واقع سيادي.
السيناريو الثاني: التنفيذ الواقعي
السيناريو الثاني يقوم على مقاربة مختلفة:
تنفيذ القرار، لكن بطريقة تدريجية ومدروسة.
في هذا المسار قد تبدأ الدولة بخطوات عملية مثل:
تعزيز انتشار الجيش في مناطق محددة.
ضبط منصات إطلاق الصواريخ ومنع استخدامها.
فرض رقابة أمنية أكبر على المناطق التي شهدت عمليات إطلاق سابقاً.
الفكرة هنا ليست المواجهة الشاملة، بل استعادة السيطرة تدريجياً.
هذا السيناريو يقرّ بحقيقة أن لبنان لم يعد يعيش في الظروف نفسها التي كان يعيشها قبل أربعين عاماً.
المنطقة تغيرت، موازين القوى تغيرت، وحتى طبيعة الصراع تغيرت.
لذلك قد يكون التنفيذ الواقعي هو الطريق الأكثر قابلية للتحقق:
خطوات عملية تتراكم مع الوقت وتعيد للدولة حضورها على الأرض.
السيناريو الثالث: الصدام
يبقى احتمال ثالث، وهو أن تتحول عملية التنفيذ إلى مواجهة.
قد يحدث ذلك إذا حاولت الدولة فرض القرار بسرعة، أو إذا اعتُبر القرار تهديداً مباشراً للتوازنات القائمة.
في هذه الحالة قد تتحول أي عملية أمنية محدودة إلى صدام أوسع.
لكن المشكلة أن الصدام لا يحل المشكلة بالضرورة، بل قد يعيد إنتاجها بطريقة أكثر خطورة.
ولهذا السبب تحاول الدول عادة تجنب هذا المسار قدر الإمكان، إلا إذا فُرض عليها فرضاً.
أربعون عاماً من إدارة المشكلة
الواقع أن لبنان عاش طوال العقود الماضية في منطقة رمادية.
كان الجميع يعرف أن هناك سلاحاً خارج الدولة، لكن التعامل معه كان دائماً يتم عبر التسويات المؤقتة.
هذه السياسة أنتجت ما يمكن تسميته وهم الاستقرار:
الوضع يبدو مستقراً، لكنه في الحقيقة قابل للاهتزاز في أي لحظة.
قرار 2 آذار كسر هذا الوهم جزئياً، لأنه نقل المسألة من النقاش السياسي إلى مستوى القرار الرسمي.
لكن قيمة القرار لن تُقاس بالكلمات التي قيلت في مجلس الوزراء، بل بما سيحدث بعد ذلك على الأرض.
شيئاً واحداً بات واضحاً:
الاستمرار في إدارة المشكلة بدل حلّها لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار إلى ما لا نهاية.

