spot_img
الأربعاء, يوليو 22, 2026

لبنان والنفط: زمنُ الانتظار انتهى

الرئيسيةاهم الاخبارلبنان والنفط: زمنُ...

بقلم: د.ميراي زيادة

منذ أن صدر قانون الموارد البترولية في المياه البحرية رقم 132 في صيف 2010، ولبنان يعيش على وعدٍ كبيرٍ بأنّ ثروته المدفونة تحت البحر ستغيّر وجه اقتصاده.
ذلك القانون، الذي وُصف يومها بأنّه «دستور السيادة النفطية»، منح الدولة حقّها الحصري في إدارة الموارد البترولية، وأرسى بنيةً مؤسسية متقدّمة عبر إنشاء هيئة إدارة قطاع البترول وتنظيم العلاقة بين الدولة والشركات من خلال اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج.

لكن بين القانون وتطبيقه، فاصلٌ طويل من الأعوام والسياسة.
مرت خمسة عشر سنة تقريبًا من الانتظار، لم تتقدّم فيها دورة التراخيص إلا ببطءٍ شديد، ولم يُنشأ الصندوق السيادي الذي وُعدت به الأجيال، فيما بقيت المراسيم التنفيذية عالقة في زوايا التعطيل الإداري.
وهكذا، ظلّ القانون حاضرًا في النصّ، غائبًا في الممارسة، فيما تَقدَّمَ الجوار خطواتٍ واسعة في سباق الطاقة شرق المتوسط.

عام 2015، أصدر المركز اللبناني للدراسات (LCPS) ورقةً بحثية للبروفيسور بسام فتوح والدكتورة لورا الكتيري بعنوان «خيارات لبنان لتجارة الغاز».
تلك الورقة لم تكن مجرّد تحليل تقني، بل رؤية مبكرة رسمت ملامح التحدّي الذي يواجهه لبنان:
تأخّر في القرار، غياب في البنية التحتية، وانقسامٌ سياسي يعرقل أي مسارٍ تنفيذي.

خلصت الدراسة إلى ثلاث حقائق أساسية:
أوّلها أنّ لبنان لن يصبح منتِجًا فعليًا قبل منتصف العشرينيات،
وثانيها أنّ استيراد الغاز المسال (LNG) هو الحلّ الواقعي لتأمين الطاقة إلى حين بدء الإنتاج المحلي،
وثالثها أنّ تصدير الغاز – إن توافرت كميات كافية – يجب أن يبدأ عبر أنابيب إقليمية نحو مصر والأردن وسوريا والعراق قبل التفكير بمشاريع الغاز المسال المكلفة.

كما نبّهت الدراسة إلى أنّ الأسواق لا تنتظر، وأنّ التأخّر في الاستثمار يعني خسارة فرصٍ يصعب تعويضها لاحقًا.
كان التحذير واضحًا، لكنّ القرار السياسي بقي متردّدًا.

في عام 2022، أعاد اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل فتح الملفّ من جديد.
الاتفاق، الذي استند إلى المادة 38 من القانون اللبناني والمتعلّقة بوحدة المكامن المشتركة، سمح ببدء التنقيب في البلوك 9 حيث يقع حقل قانا.

هكذا وُلد الكونسورتيوم الجديد:
Total Energies الفرنسية مشغّلًا رئيسيًا،
Eni الإيطالية شريكًا،
وQatar Energy مساهمًا بنسبة 30 %.
وفي صيف 2023، وصلت منصة الحفر Transocean Barents إلى الساحل اللبناني لتبدأ أول عملية تنقيب فعلية في المياه العميقة.

لم تُظهر النتائج الأولى اكتشافًا تجاريًا كبيرًا، لكنها حملت دلالة رمزية مهمّة:
أنّ لبنان دخل أخيرًا مرحلة التنفيذ بعد سنواتٍ من الانتظار، وأنّ قانونه الذي وُضع عام 2010 ما زال صالحًا وقادرًا على تنظيم القطاع حين تُفعَّل أدواته.

اليوم، يحتاج لبنان إلى قراءة هادئة وواقعية لواقعه الطاقوي.
البلاد ما زالت تستورد الفيول لتوليد الكهرباء بتكاليف تتجاوز الملياري دولار سنويًا، فيما معاملها الحديثة مؤهّلة للعمل بالغاز لكنها بلا تغذية.
الحلّ المنطقي، الذي نصّت عليه الدراسات منذ عقد، هو الإسراع بإنشاء وحدات تخزين وإعادة تغويز عائمة (FSRU) في الساحل الشمالي والجنوبي لاستيراد الغاز المسال مؤقتًا، ما يخفّف الكلفة ويُحضّر البنية التحتية ليوم الإنتاج الوطني.

في المدى المتوسط، يمكن للبنان أن يستفيد من خطّ الغاز العربي (AGP) لربط شبكته بالأسواق الإقليمية، ومع الوقت أن يشارك في مشاريع التسييل المشتركة مع قبرص أو مصر.
بهذا يضمن التموضع ضمن شبكة شرق المتوسط بدل أن يبقى معزولًا عنها.
لكن كلّ هذه الخطوات تبقى رهينة القرار السياسي.
فالقانون أتاح كل شيء: التنظيم، الحوكمة، البيئة، الصندوق، الشفافية، وحتى آليات نقل الحقوق والاستثمار المحلي.
المطلوب ببساطة هو تفعيل النصّ وتحرير الإدارة من الجمود.

يمتلك لبنان موقعًا جغرافيًا فريدًا يجعله قادرًا على لعب دور الوسيط بين منتجي الغاز ومستهلكيه.
فهو قريب من الأسواق العربية، ومطلّ على المتوسط الأوروبي، ومتداخل في شبكة الموانئ الإقليمية.
من هنا، يصبح الغاز اللبناني – متى أُنتج – ورقة قوّة اقتصادية ودبلوماسية في آنٍ واحد، تسمح للدولة بتوسيع علاقاتها الاستثمارية والمالية بدل الارتهان للمساعدات.

ولكي يتحقق ذلك، لا بدّ من اعتماد سياسة واضحة تُعرف باسم «الدبلوماسية الغازية»، قوامها:

شراكات واقعية مع قبرص ومصر وتركيا،

إدارة شفافة للصندوق السيادي،

وتواصل دولي يعتمد لغة الاقتصاد لا السياسة الضيقة.

آن الأوان

بعد خمسة عشر عامًا من القوانين والدراسات والتأجيل، لا يمكن للبنان أن يستمر في سياسة الانتظار.
العالم من حوله يعيد رسم خرائط الطاقة، والشرق المتوسّط يتحوّل إلى مركزٍ جديدٍ للغاز نحو أوروبا.
من يتأخّر اليوم سيخرج من السباق غدًا.

التحرّك المطلوب ليس شعاراتٍ ولا مؤتمرات.
هو ببساطة إرادة تنفيذية تضع جدولًا زمنيًا واضحًا للقطاع، وتحوّل الثروة من فكرة إلى مشروع.
إنّ موارد لبنان ليست سرابًا، لكنها تحتاج إلى إدارة حقيقية، إلى رؤية تجمع بين المعرفة والشجاعة.

لقد انتهى زمن الانتظار.
البحر أمامنا، والثروة تحت أقدامنا، والفرصة ما زالت ممكنة إن تحرّكنا الآن

Copyright © TOPSKY NEWS

عندما تنتصر الدولة… يسقط...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على...

الجزائر وسط حزام من النار:...

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط...

من كسر التابو إلى إعادة...

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات....

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع النهار: من يلتقي أو من يختلف مع الرئيس جوزف عون يدرك حجم الضغوط...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو جاء في أساس ميديا: تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ...