بقلم: د. ميراي زيادة
تدخل الولايات المتحدة مرحلة سياسية دقيقة بعد الانتخابات النصفية، مع اقتراب انتقال السلطة التشريعية إلى الكونغرس الجديد في الثالث من كانون الثاني 2027. وبين نتائج الانتخابات وموعد تسلّم الأعضاء الجدد مهامهم، تبرز مسألة استراتيجية تتجاوز الداخل الأميركي: هل يستطيع الرئيس دونالد ترامب استغلال هذه الفترة لتصعيد المواجهة العسكرية مع إيران وفرض واقع يصعب تغييره لاحقاً؟
دستورياً، لا يفقد ترامب أياً من صلاحياته الرئاسية نتيجة الانتخابات النصفية. فهو يبقى القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بصلاحية إصدار أوامر عسكرية، بما فيها عمليات ضد إيران، ضمن الحدود الدستورية والقانونية. لكن إعلان الحرب رسمياً يبقى من اختصاص الكونغرس، فيما يخضع تمويل العمليات العسكرية للاعتمادات التي يقرّها المشرّعون.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الكونغرس القائم يحتفظ بكامل صلاحياته حتى مطلع كانون الثاني، ما يمنح الإدارة الأميركية فرصة سياسية للتحرك قبل تبدّل موازين القوى التشريعية.
غير أن هذه النافذة الزمنية لا تعني امتلاك الرئيس تفويضاً مفتوحاً للحرب. فقانون صلاحيات الحرب لعام 1973 يفرض قيوداً على استمرار العمليات العسكرية من دون تفويض مناسب من الكونغرس، وإن كانت حدود تطبيقه موضع خلاف دستوري مستمر.
ماذا يتغيّر في كانون الثاني 2027؟
مع تسلّم الكونغرس الجديد مهامه، وفي حال انتقال السيطرة على المجلسين إلى الديمقراطيين، ستواجه إدارة ترامب واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً. فالرئيس لن يفقد سلطته في قيادة القوات المسلحة، لكن الكونغرس سيتمكن من تشديد الرقابة على العمليات العسكرية، وعرقلة التمويل الإضافي، وفرض شروط على الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن مساءلة كبار المسؤولين في الإدارة.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين صلاحية اتخاذ القرار العسكري والقدرة على الاستمرار في تنفيذه. فشنّ عملية محدودة قد يكون قراراً رئاسياً سريعاً، أما خوض حرب واسعة وطويلة فيحتاج إلى موارد مالية ودعم سياسي ومؤسساتي يصعب ضمانه في ظل كونغرس معارض.
ثلاثة سيناريوهات أمام ترامب
السيناريو الأول يتمثل في تسريع التصعيد العسكري قبل الثالث من كانون الثاني، بهدف تحقيق مكاسب ميدانية أو فرض شروط تفاوضية جديدة على طهران.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على إبقاء الضغط العسكري قائماً بالتوازي مع فتح مسار دبلوماسي يسمح لترامب بتقديم أي اتفاق محتمل باعتباره نتيجة لسياسة القوة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في استمرار المواجهة العسكرية إلى ما بعد تسلّم الكونغرس الجديد، ما قد يفتح الباب أمام صدام سياسي ودستوري بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية حول التمويل وحدود صلاحيات الحرب.
لبنان أمام تداعيات القرار الأميركي
لا يمكن فصل هذه الحسابات عن مستقبل لبنان والمنطقة. فأي تصعيد أميركي واسع ضد إيران قد ينعكس على الجبهات الإقليمية، وفي مقدمها الجبهة اللبنانية، فيما قد يؤدي نجاح المسار الدبلوماسي إلى إعادة رسم التوازنات وشروط التسويات.
وعليه، فإن الأسابيع الفاصلة عن كانون الثاني ليست مجرد مرحلة انتقالية في واشنطن، بل قد تتحول إلى فترة حاسمة في تحديد اتجاه السياسة الأميركية تجاه إيران والشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الأخطر: هل يسعى ترامب إلى حسم المواجهة قبل أن يصبح الكونغرس الجديد قادراً على تقييد خياراته، أم يستخدم التهديد العسكري لانتزاع صفقة سياسية قبل تبدّل موازين القوى في واشنطن؟
الثابت أن الثالث من كانون الثاني لن ينهي صلاحيات ترامب العسكرية، لكنه قد يغيّر بصورة جوهرية قدرته السياسية والمالية على مواصلة الحرب.
فالوقت المتبقي قد يكون كافياً لاتخاذ قرار التصعيد، لكنه ليس بالضرورة كافياً لحسم نتائجه.

