لم يعد حضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل محصوراً في أدائه العسكري. فمن الجنوب، تتكوّن حوله صورة قائد يستمد شرعيته من الميدان، ويتمسك بموقف سيادي واضح تجاه الاحتلال الإسرائيلي، ويحرص في الوقت نفسه على عدم تحويل الجيش إلى أداة صدام في الداخل.
نجح هيكل في تقديم معادلة دقيقة: الجيش إلى جانب أهل الجنوب، يحميهم ويستعيد الأرض وينتشر تحت راية الدولة، من دون التعامل مع بيئتهم بوصفها مشكلة أمنية.
وهذا ما منحه ثقة متزايدة لا تعبّر بالضرورة عن تبدّل في الولاءات السياسية، بل عن حاجة إلى دولة تحمي الجنوب ولا تجعله يدفع ثمن التسويات والضغوط الخارجية.
ويأتي موقف الرئيس نبيه بري ليمنح قيادة الجيش غطاءً مؤسساتياً مهماً. فتحذيره السابق من المساس بهيكل يعكس حرصاً على استقرار المؤسسة ومنع دفعها نحو مواجهة داخلية، أكثر مما يشكّل تبنياً سياسياً مباشراً لقائدها. وحتى الآن، يبدو هيكل ضمانة مقبولة، لأنه يوازن بين سلطة الدولة وحماية السلم الأهلي.
في المقابل، تحاول الرواية الإسرائيلية اتهام الجيش بالتساهل مع حزب الله، وتحميل قائده مسؤولية عدم تنفيذ المطالب الإسرائيلية. وهذه اتهامات غير مثبتة، لكنها تؤدي وظيفة واضحة: ضرب صدقية الجيش دولياً، وإثارة الشكوك حول قيادته، والضغط باتجاه إجراءات أكثر تشدداً في الداخل.
إلا أن هذه الحملة قد تأتي بنتيجة معاكسة، إذ يمكن أن تزيد شعبية هيكل محلياً كلما ظهر باعتباره قائداً يرفض تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة إسرائيلية في مواجهة اللبنانيين.
لا توجد أدلة على أن هيكل اختار دوراً سياسياً أو يسعى إليه، لكن الأطراف بدأت تتعامل معه باعتباره رقماً مؤثراً في المرحلة المقبلة. فهو بات يقف عند تقاطع ثلاث حاجات: جنوب يريد جيشاً يحميه ولا يصطدم به، ودولة تسعى إلى استعادة سيادتها، وقوى داخلية تخشى انفجاراً يهدد وحدة المؤسسة والبلاد.
ويبقى التحدي الأكبر أمام هيكل هو حماية رصيده من التسييس، لأن تحويله إلى رمز لفريق قد يفقده أهم عناصر قوته بوصفه قائداً جامعاً.
هيكل لم يعلن نفسه لاعباً سياسياً، لكن موقعه تجاوز عملياً حدود القيادة العسكرية وأصبح جزءاً من معادلة التوازن الوطني.
لذلك، فإن أي محاولة لإقالته أو إضعافه لن تُقرأ على أنها استبدال إداري لشخص بآخر، بل باعتبارها محاولة لتغيير النهج الذي يحكم دور الجيش وعلاقته بالجنوب وطريقة تعامله مع الانقسامات الداخلية.
فالمساس بهيكل لم يعد يمسّ بشخصه وحده، وإنما بالتوازن الدقيق الذي يحفظ وحدة المؤسسة العسكرية ويمنع دفعها إلى مواجهة مع جزء من اللبنانيين.
ومن يفكر في إقالته لا يغيّر قائداً للجيش فحسب، بل يفتح الباب أمام تحوّل قد يصيب التوازن الوطني في صميمه، ويضع استقرار لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة.

