spot_img
السبت, يونيو 13, 2026

العماد رودولف هيكل ومنع الحرب الأهلية: عندما يصبح ضبط النفس قراراً استراتيجياً

الرئيسيةاهم الاخبارالعماد رودولف هيكل...

بقلم:مراقب اقليمي

في تاريخ الأمم، غالباً ما يُحتفى بالقادة الذين خاضوا الحروب وانتصروا فيها، فيما يقلّ الاهتمام بأولئك الذين نجحوا في منع الحروب من الوقوع أصلاً. فالأحداث الكبرى تُقاس عادةً بما وقع، لا بما تم تجنبه. غير أن التجارب التاريخية تثبت أن منع الانفجار الوطني قد يكون في أحيان كثيرة إنجازاً يفوق في أهميته أي انتصار عسكري أو سياسي.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة أداء قيادة الجيش اللبناني في المرحلة الأخيرة بقيادة العماد رودولف هيكل، ليس فقط باعتباره إدارة لشؤون مؤسسة عسكرية، بل باعتباره ممارسة واعية لدور وطني حساس في لحظة كانت فيها البلاد تقف على حافة احتمالات خطيرة. فلبنان الذي يعيش منذ سنوات أزمات مالية واقتصادية وسياسية متراكمة، وجد نفسه مجدداً وسط عواصف إقليمية كبرى، وضغوط دولية متزايدة، وانقسامات داخلية حادة، وهي ظروف غالباً ما شكلت تاريخياً البيئة المثالية لاندلاع النزاعات الداخلية.

في مثل هذه الظروف، يصبح القرار الأصعب هو عدم الانجرار.

لقد واجهت المؤسسة العسكرية خلال الأشهر الماضية ضغوطاً متناقضة من مختلف الاتجاهات. فهناك من طالبها باتخاذ خطوات أكثر تشدداً في بعض الملفات الداخلية، وهناك من أراد منها الانخراط بصورة أو بأخرى في صراعات سياسية تتجاوز دورها الدستوري. وفي المقابل، صدرت مواقف وضغوط خارجية، ولا سيما من بعض الشخصيات المؤثرة في الأوساط السياسية الأميركية، من بينها طوم حرب والسيناتور ليندسي غراهام، عبّرت عن رؤى محددة لكيفية مقاربة الوضع اللبناني ودور الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية في المرحلة المقبلة.

إلا أن اللافت في أداء القيادة العسكرية كان تمسكها بخيار ثابت: حماية الاستقرار الوطني ومنع الانزلاق إلى الفوضى أو المواجهة الداخلية، مهما كانت الضغوط ومهما ارتفع منسوب الانتقادات.

هذا الخيار لم يكن سهلاً.

فالبيئة اللبنانية بطبيعتها بيئة استقطابية، وغالباً ما يُنظر إلى الاعتدال على أنه ضعف، وإلى التريث على أنه تردد، وإلى ضبط النفس على أنه تراجع. غير أن التجارب اللبنانية نفسها تقدم الدليل المعاكس. ففي عام 1975 لم تبدأ الحرب الأهلية بقرار معلن، بل بسلسلة من الحسابات الخاطئة وردود الفعل المتبادلة التي خرجت تدريجياً عن السيطرة. وما لبثت المؤسسات أن تحولت من ضامن للوحدة الوطنية إلى جزء من الانقسام الوطني نفسه.

ولعل أحد أهم الدروس المستخلصة من تلك التجربة المريرة أن الجيش اللبناني لا يستطيع أن يحافظ على دوره الجامع إلا إذا بقي على مسافة واحدة من الجميع، ملتزماً بالقانون والدستور، ومحصناً ضد محاولات التسييس أو التوظيف.

في هذا السياق، يمكن فهم تمسك العماد رودولف هيكل بعقيدة المؤسسة العسكرية التقليدية القائمة على حماية الدولة لا الدخول في النزاعات السياسية، وعلى إدارة المخاطر لا مفاقمتها، وعلى احتواء التوترات لا توسيعها.

قد لا تحقق هذه المقاربة شعبية فورية، لكنها غالباً ما تحقق نتائج طويلة الأمد.

ففي علم إدارة الأزمات، لا يُقاس النجاح بحجم الضجيج الذي يرافق القرارات، بل بحجم الكوارث التي تم تجنبها. وعندما ننظر إلى المشهد اللبناني اليوم، رغم كل التوترات والانقسامات، نلاحظ أن البلاد لم تنزلق إلى اقتتال داخلي واسع، ولم تنهَر مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ولم تتحول الساحات المتعددة إلى خطوط تماس دائمة كما حصل في مراحل سابقة من تاريخ لبنان.

لا يعني ذلك أن المخاطر انتهت، ولا أن التحديات زالت، بل يعني أن هناك مؤسسة ما زالت تؤدي دور “صمام الأمان” الوطني، وأن هناك قيادة اختارت التمسك بمنطق الدولة في زمن تتزايد فيه الدعوات إلى منطق المواجهة.

ومن اللافت أيضاً أن هذا النهج لم يكن انعكاساً لحسابات سياسية ظرفية، بل بدا أقرب إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تدرك أن استقرار لبنان لا يمكن أن يُبنى على انتصار فريق على آخر، بل على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني الذي يسمح للدولة بالاستمرار.

إن الدول الصغيرة الواقعة في مناطق النزاعات الكبرى تواجه دائماً معضلة صعبة: كيف تحافظ على سيادتها من دون أن تتحول إلى ساحة صراع للآخرين؟ وكيف تستفيد من دعم المجتمع الدولي من دون أن تفقد استقلالية قرارها الوطني؟

في هذا المجال تحديداً، تبدو تجربة الجيش اللبناني جديرة بالتأمل. فالتعاون مع الشركاء الدوليين ضروري ومطلوب، لكن تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية يبقى خطراً على وحدة المؤسسة نفسها وعلى دورها الوطني. ولذلك فإن المحافظة على التوازن بين الانفتاح على المجتمع الدولي وبين استقلالية القرار الوطني شكلت أحد أبرز عناصر القوة في أداء القيادة العسكرية خلال المرحلة الماضية.

ولعل المفارقة الأهم أن كثيراً من الإنجازات الكبرى في التاريخ لا تُقاس بما حدث، بل بما لم يحدث. فعدم وقوع حرب أهلية ليس خبراً مثيراً، وعدم انهيار المؤسسة العسكرية لا يصنع عناوين يومية، وعدم انتقال الانقسامات السياسية إلى مواجهات ميدانية لا يجذب الاهتمام الإعلامي نفسه الذي تجذبه الأزمات والانفجارات.

لكن هذه “اللامشاهد” هي التي تصنع الفارق الحقيقي بين دولة تستمر ودولة تنهار.

من هنا، فإن تقييم المرحلة الراهنة يجب ألا ينطلق من حسابات سياسية ضيقة أو من مواقف آنية، بل من سؤال أساسي: ماذا كان يمكن أن يحدث لو اتخذت المؤسسة العسكرية خيارات مختلفة؟ وماذا كان يمكن أن تكون عليه صورة لبنان لو فقد الجيش دوره كمرجعية وطنية جامعة؟

قد تختلف الإجابات باختلاف المواقع السياسية، لكن من الصعب إنكار حقيقة أن لبنان اجتاز واحدة من أكثر مراحله حساسية من دون السقوط في الهاوية. وفي بلد خبر الحروب والانقسامات والانهيارات، قد يكون هذا الإنجاز وحده كافياً لإعادة الاعتبار لقيمة الحكمة والصبر وضبط النفس.

ففي النهاية، ليست القيادة دائماً القدرة على خوض المعارك، بل القدرة على معرفة أي المعارك يجب تجنبها. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة العماد رودولف هيكل في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان

Copyright © TOPSKY NEWS

كيف يمكن للبطيخ أن...

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟ يُعرف البطيخ بقدرته على ترطيب الجسم خلال...

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟ يُعرف البطيخ بقدرته على ترطيب الجسم خلال الطقس الحار، لكن فوائده قد تمتد إلى ما هو...

مضيق هرمز: من دفع الفاتورة ومن قبض الأرباح؟

مضيق هرمز: من دفع الفاتورة ومن قبض الأرباح؟ بقلم: مراقب اقليمي بعد أشهر طويلة من التوتر العسكري والاقتصادي، وبعد سيل من التحذيرات والتهديدات والتقارير التي تحدثت...

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف!

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف! شنّ الحرس الثــــــوري الإيراني هجوماً حاداً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رداً...

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران!

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران! بحسب مصادر دبلوماسية مواكبة للمفاوضات لـ"الجديد"، تتعامل إسرائيل مع الملف اللبناني...

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.....

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران! بحسب مصادر دبلوماسية مواكبة للمفاوضات لـ"الجديد"،...

بدعم سعودي وقطري.. ماذا تحمل...

بدعم سعودي وقطري.. ماذا تحمل الخطة اللبنانية لوقف النار؟ كشفت مصادر مطلعة عن اجتماعات مكثفة عُقدت خلال الساعات الأربع والعشرين...

إسرائيل تتمسك بوجودها في لبنان.....

إسرائيل تتمسك بوجودها في لبنان.. وكاتس يوجّه رسالة حاسمة! أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تتخلى عن...

حفاظاً على سلامة الطلاب في...

حفاظاً على سلامة الطلاب في المناطق المعرضة للخطر.. تعميم من وزيرة التربية أصدرت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي تعميما...

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟ يُعرف البطيخ بقدرته على ترطيب الجسم خلال الطقس الحار، لكن فوائده قد تمتد إلى ما هو...

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف!

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف! شنّ الحرس الثــــــوري الإيراني هجوماً حاداً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رداً...

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران!

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران! بحسب مصادر دبلوماسية مواكبة للمفاوضات لـ"الجديد"، تتعامل إسرائيل مع الملف اللبناني...

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟

كيف يمكن للبطيخ أن يساهم في تعزيز صحة القلب؟ يُعرف البطيخ بقدرته على ترطيب الجسم خلال الطقس الحار، لكن فوائده قد تمتد إلى ما هو...

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف!

الحرس الثــــــوري يُهاجم ترامب: من ينكث عهوده لا يحق له الحديث عن الشرف! شنّ الحرس الثــــــوري الإيراني هجوماً حاداً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رداً...

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران!

إسرائيل تفصل لبنان عن إيران.. لا التزام بوقف النار حتى مع اتفاق واشنطن وطهران! بحسب مصادر دبلوماسية مواكبة للمفاوضات لـ"الجديد"، تتعامل إسرائيل مع الملف اللبناني...

بدعم سعودي وقطري.. ماذا تحمل الخطة اللبنانية لوقف النار؟

بدعم سعودي وقطري.. ماذا تحمل الخطة اللبنانية لوقف النار؟ كشفت مصادر مطلعة عن اجتماعات مكثفة عُقدت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بين مستشاري رئيس الجمهورية...

إسرائيل تتمسك بوجودها في لبنان.. وكاتس يوجّه رسالة حاسمة!

إسرائيل تتمسك بوجودها في لبنان.. وكاتس يوجّه رسالة حاسمة! أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تتخلى عن ما وصفها بـ"المناطق الأمنية" في...

بين أنقرة وتل أبيب: معركة النفوذ على لبنان وسوريا قبل السلام

بين أنقرة وتل أبيب: معركة النفوذ على لبنان وسوريا قبل السلامبقلم: مراقب اقليمي لم يكن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام مجرد موقف...