بقلم د. ميراي زيادة
لم تعد المؤشرات الآتية من واشنطن وتل أبيب تُقرأ في إطار التهويل السياسي أو الحرب النفسية. المنطقة دخلت فعلياً مرحلة العدّ العكسي لقرار أميركي كبير تجاه إيران، خصوصاً بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من بكين، حيث عُقدت واحدة من أهم القمم الدولية مع الرئيس الصيني Xi Jinping.
فالرسائل التي خرجت من قمة بكين لم تكن اقتصادية فقط، بل حملت في طياتها ملامح التوازنات الدولية المقبلة، وحدود الاشتباك الأميركي ـ الصيني، ومستقبل المواجهة مع إيران.
اليوم، يبدو أن واشنطن انتقلت من مرحلة “تقييم الضربة” إلى مرحلة “تحديد المسار المقبل”. وما يُعرف أميركياً بـ”المطرقة الثقيلة” لم يعد مجرد توصيف إعلامي، بل خيار عسكري قائم فعلياً على الطاولة، بالتوازي مع خيار الحصار البحري والخنق الاقتصادي التدريجي.
الخطة الأميركية ـ الإسرائيلية تبدو واضحة: الضغط أولاً… ثم التصعيد إذا فشل الضغط.
فالولايات المتحدة تدرك أن استنزاف إيران اقتصادياً وأمنياً قد يكون أكثر فعالية من حرب شاملة ومكلفة، لذلك يجري الحديث عن تشديد الحصار البحري، وضرب شبكات التمويل والإمداد، وزيادة الضغط الداخلي على النظام الإيراني، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات من دون الانزلاق فوراً إلى مواجهة مفتوحة.
وفي قلب هذا المشهد، يقف الحرس الثوري الإيراني كالعقدة الأساسية. فالمشكلة بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب لم تعد فقط في البرنامج النووي، بل في البنية العسكرية ـ العقائدية التي تدير المشروع الإيراني في المنطقة.
لذلك، ترى إسرائيل أن أي تسوية لا تُضعف الحرس الثوري عملياً، تبقى تسوية ناقصة ومؤقتة.
أما إيران، فتبدو اليوم أمام واحدة من أعقد المراحل في تاريخها الحديث: لا هي قادرة على الذهاب إلى حرب شاملة، ولا هي مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية تمس نفوذها الإقليمي أو برنامجها النووي.
إنها مرحلة “المنطقة الرمادية”: لا حرب كاملة… ولا سلام حقيقي… بل استنزاف طويل ومدروس.
أما الصين، فرغم حرصها على عدم سقوط إيران، لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة عالمية مع واشنطن من أجلها. بكين تريد حماية مصالحها الاقتصادية الكبرى، واستقرار خطوط التجارة والطاقة، وتفادي انفجار إقليمي واسع قد يضرب الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، يبدو أن قمة بكين لم تؤسس لتسوية، بل لرسم قواعد الاشتباك المقبلة:
مما سيدفع ترامب إلى الانتقال نحو “المطرقة الثقيلة”؟
في الشرق الأوسط، القرارات الكبرى لا تُعلن مباشرة… بل تبدأ دائماً من خلف أبواب القمم الدولية، ثم تظهر تدريجياً في الميدان.

