spot_img
الأربعاء, يوليو 22, 2026

لبنان بين توازن الردع والجمود القاتل

الرئيسيةاهم الاخبارلبنان بين توازن...

بقلم د. ميراي زيادة – لا تتجه المنطقة إلى حرب شاملة، لكنها لا تعيش سلاماً مستقراً. الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها “توازن ردع متعدد الأقطاب”، حيث لم تعد الاصطفافات التقليدية تحكم المشهد، بل شبكات مرنة من المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية. في هذا التحول، لا يقف لبنان لاعباً مقرّراً، بل ساحة انعكاس مباشر لأي اهتزاز.

المعادلة الإقليمية تغيّرت. لم يعد الصراع محصوراً بمحورين مغلقين، بل أصبح شبكة علاقات متقاطعة. تقارب أمني وتكنولوجي يتبلور بين إسرائيل والهند والإمارات، يرتكز على حماية الممرات البحرية، والذكاء الاصطناعي العسكري، ومشاريع الربط التجاري العابر للقارات. في المقابل، تنسج تركيا والسعودية وباكستان مسار تنسيق دفاعي وسياسي يهدف إلى تنويع الشراكات داخل العالم الإسلامي وتقليل الاعتماد الأحادي على الغرب. السعودية والإمارات ليستا في محورين متصارعين، بل في هندسة مصالح مختلفة داخل المشهد ذاته، ما يؤكد أن المنطقة لا تنقسم بقدر ما تعيد توزيع أوزانها.

أما الولايات المتحدة، فلا تسعى إلى إنشاء تحالف عسكري جامد على شاكلة “ناتو شرق أوسطي”، بل تدير شبكة ردع مرنة تمنع الانفجار الكبير دون أن تفرض تسوية نهائية. هدفها منع حرب واسعة، واحتواء إيران دون مواجهة مباشرة، ودعم إسرائيل مع الحفاظ على توازن دقيق مع الخليج، وتعزيز شراكتها مع الهند في سياق التنافس مع الصين. إنها إدارة إيقاع، لا فرض نظام جديد.

في قلب هذه المعادلة تقف إيران تحت ضغط استراتيجي متزايد، لكنها ليست معزولة. تمتلك أدوات ردع إقليمية، وشراكات مع روسيا والصين، وتتحرك ضمن منطق “الضغط دون الانكسار”. الاحتمال الأرجح في المدى القريب هو استمرار ردع متوتر: عمليات محدودة، رسائل نارية محسوبة، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة. التصعيد الواسع ممكن لكنه ليس مرجّحاً، فيما التهدئة التدريجية تبقى رهناً بتفاهمات غير معلنة.

أين يقف لبنان وسط هذه المعادلة؟

لبنان هو الخاصرة الأكثر حساسية في توازن الردع. أي خطأ حسابي بين إسرائيل وإيران ينعكس فوراً على الجنوب. وأي تسوية إقليمية قد تفتح نافذة اقتصادية نادرة. لكنه، في الحالتين، ليس صاحب قرار استراتيجي مستقل بالكامل، بل ساحة تتقاطع عندها حسابات الآخرين.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأشهر المقبلة هو استقرار حذر: اشتباك مضبوط، لا حرب شاملة ولا سلام فعلي. لكن الاستقرار الأمني النسبي لا يعني تعافياً داخلياً. هنا يظهر الخطر الحقيقي: الجمود القاتل.

الجمود أخطر من الحرب في بعض الأحيان، لأنه يستنزف بلا ضجيج. اقتصاد نقدي هش، هجرة مستمرة للكفاءات، قطاع مصرفي معلّق بين إعادة الهيكلة والتصفية المقنّعة، تآكل ثقة خارجية، وعزلة خليجية لم تُعالج جذرياً. الحرب تدمّر بسرعة وتفرض إعادة بناء. أما الجمود فيُفرغ الدولة تدريجياً من مقوماتها.

اقتصادياً، لبنان يعيش على هامش التوازن الإقليمي. إذا استمر الردع المتوتر، سيبقى التعافي محدوداً: سياحة موسمية، تحويلات تشكل شريان حياة، وغياب استثمارات استراتيجية طويلة الأمد. وإذا حصلت تسوية إقليمية أوسع، قد تعود رؤوس الأموال الخليجية تدريجياً، لكن بشروط إصلاحية صارمة لا يمكن الالتفاف عليها. أما في حال التصعيد، فسينكمش الاقتصاد أكثر، ويتدهور سعر الصرف، ويتعمّق الشلل المؤسساتي.

المعضلة أن لبنان يتأثر بثلاثة متغيرات خارجية: مسار العلاقة السعودية–الإيرانية، الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وقرار واشنطن بضبط المواجهة أو تركها تتسع. لكنه يتأثر بمتغير داخلي أكثر حسماً: غياب القرار الإصلاحي.

لبنان لا يستطيع إعلان حياد نظري في بيئة إقليمية معقدة، لكنه يستطيع اعتماد تحييد عملي: ضبط الخطاب الرسمي، تعزيز دور الجيش والمؤسسات، الفصل التدريجي بين المسار الأمني والمسار الاقتصادي، ومنع تحويل الداخل إلى منصة صراع مفتوح. بالتوازي، يحتاج إلى إعادة وصل مدروس مع الخليج عبر إصلاح مصرفي شفاف، قوانين فعلية لمكافحة الفساد، وضمانات سياسية واضحة.

التحولات الإقليمية تخلق مخاطر، لكنها تخلق فرصاً أيضاً. موقع لبنان الجغرافي، إذا أُحسن استخدامه، يمكن أن يتحول إلى ميزة: مركز خدمات رقمي، منصة تعليم وطب متقدم، قاعدة لوجستية محتملة لإعادة إعمار محيطه. لكن هذه الإمكانات لا تتحقق بالانتظار، بل بخطة واضحة تعيد تعريف النموذج الاقتصادي بعيداً عن الريع والاعتماد الأحادي.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة ردع متعدد الأقطاب. لا أحد يريد الحرب الشاملة، ولا أحد يملك تسوية كاملة. الجميع يدير التوازن، ويؤجل الحسم. في هذه البيئة، لبنان أمام خيارين: أن يبقى رهينة الانتظار، أو أن يتحرك ضمن هامش الممكن لتعزيز مناعته الداخلية.

أكبر خطر على لبنان ليس أن تشتعل المنطقة، بل أن يبقى معلقاً بين النار والتسوية دون خطة. الدول لا تسقط فقط حين تُهاجَم، بل حين تعتاد العيش في حالة انتظار.

Copyright © TOPSKY NEWS

عندما تنتصر الدولة… يسقط...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على...

الجزائر وسط حزام من النار:...

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط...

من كسر التابو إلى إعادة...

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات....

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع النهار: من يلتقي أو من يختلف مع الرئيس جوزف عون يدرك حجم الضغوط...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو جاء في أساس ميديا: تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ...