spot_img
الثلاثاء, يوليو 21, 2026

عندما قرأتُ «المكتب الثاني»: وجوه تغيّرت… والعقلية عادت

الرئيسيةاهم الاخبارعندما قرأتُ «المكتب...

بقلم د. ميراي زيادة- عندما قرأتُ كتاب المكتب الثاني: حاكم في الظل لنقولا ناصيف، لم أتوقف عند الوقائع كأحداث منتهية، بل وجدت نفسي أتابع مسارًا متكاملًا:

كيف يُنشأ جهاز أمني، كيف يتوسّع، كيف يتحوّل من أداة إلى سلطة، ثم كيف يتآكل وينهار، تاركًا خلفه دولة أضعف مما كانت عليه.

وما لفتني أكثر هو أن هذا المسار لم يكن مرتبطًا بشخص واحد، بل بتعاقب أشخاص حملوا الذهنية نفسها بأدوات مختلفة.

في المرحلة الأولى بعد الاستقلال، تعاقب على المكتب الثاني ضباط مثل إميل بستاني وإلياس الحسواني، في زمن كانت فيه الدولة حديثة العهد، والطبقة السياسية قلقة من الجيش، ومن الشارع، ومن الأحزاب العقائدية الصاعدة.

في هذه المرحلة، لم يُنظر إلى المكتب الثاني كجهاز معلومات فحسب، بل كـصمّام أمان للنظام السياسي.

كان دوره الأساسي مراقبة الداخل، لا حماية الحدود، وضبط الحياة السياسية أكثر من حماية الدستور.

هنا، وُضعت البذرة الأولى لفكرة أن الأمن يمكن أن يعوّض ضعف السياسة.

وأنا أقرأ هذه الصفحات، شعرت أن الخوف الذي حكم البدايات لا يزال حاضرًا اليوم، وإن تغيّرت لغته.

مرحلة الصدام: الأمن في مواجهة التغيير

مع تصاعد دور الأحزاب العقائدية، ولا سيما الحزب السوري القومي الاجتماعي، دخل المكتب الثاني مرحلة الصدام المباشر.

في هذه الحقبة، التي يضيئها الكتاب من خلال وقائع مرتبطة بأنطون سعادة، تحوّل الجهاز إلى أداة قمع سياسي صريح.

الدور هنا لم يكن استباقيًا ولا وقائيًا، بل إلغائيًا.

كل تنظيم خارج الاصطفافات التقليدية كان يُعامل كخطر وجودي، وكل فكرة تغيير كانت تُقرأ كتمهيد لانقلاب.

وأنا أقرأ هذا الفصل، لم أستطع تجاهل سؤال بسيط:

هل الخوف من التغيير انتهى فعلًا، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاجه بأسماء جديدة؟

مع وصول غابي لحود إلى قيادة المكتب الثاني، يدخل الجهاز مرحلة مختلفة وأكثر تعقيدًا.

لم يعد الأمن يعتمد فقط على الاعتقال والقوة، بل على المعلومة، والملف، والابتزاز السياسي الناعم.

في هذه المرحلة، يصبح المكتب الثاني لاعبًا سياسيًا كاملًا:

يتدخّل في التسويات

يضبط الإيقاع

يقرّب هذا ويقصي ذاك

لكن الثمن كان باهظًا.

فمع توسّع النفوذ الداخلي، بدأ القرار الأمني يفقد استقلاليته، ويتداخل أكثر فأكثر مع العامل الإقليمي، ولا سيما السوري.

وأنا أقرأ هذه المرحلة، بدا واضحًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الجهاز، بل في تحوّله إلى وسيط دائم بدل أن يبقى أداة دولة.

مع جورج البستاني، يبدأ المكتب الثاني مرحلة التآكل.

تظهر المحاسبات، تتضارب الصلاحيات، وتضعف الهيبة.

لم يعد الجهاز قادرًا على الضبط الكامل، ولا السلطة السياسية قادرة على استعادته إلى حجمه الطبيعي.

في هذا الفصل، يبيّن الكتاب أن الجهاز الأمني، حين يتمدّد أكثر مما يحتمل، يصبح هشًّا عند أول اهتزاز.

فالسلطة التي لا تُضبط بالقانون، لا يحميها نفوذها طويلًا.

وهنا، شعرت أن التاريخ يرسل تحذيرًا واضحًا للحاضر:

كل بنية بلا رقابة، مصيرها الانكسار.

يصل الكتاب إلى ذروته مع جوني عبده، في زمن لم يعد فيه لبنان دولة مستقرة، بل ساحة أزمات وحرب وتدخلات.

في هذه المرحلة، لم يعد المكتب الثاني “حاكمًا في الظل” بالمعنى التقليدي، بل مدير أزمة.

الدور هنا لم يكن فرض السيطرة، بل محاولة منع الانهيار الكامل:

فتح قنوات

إدارة توازنات

خفض الخسائر

لكن الكتاب يوضح بمرارة أن الأمن، مهما بلغ ذكاؤه، لا يستطيع أن يعوّض غياب الدولة ولا انهيار السياسة.

وأنا أقرأ هذه الصفحات، بدا المشهد مألوفًا أكثر مما يجب.

ماذا تقول لنا هذه السيرة اليوم؟

عندما ننظر إلى تعاقب هؤلاء على المكتب الثاني، ندرك أن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في:

عقلية حكم

فراغ سياسي

تسليم الأمن ما لا يستطيع تحمّله

هذا الكتاب لا يدين أشخاصًا بقدر ما يدين نموذجًا كاملًا.

نموذج يثبت أن الدولة التي تُدار من الظل، تُترك في العتمة عند أول أزمة كبرى.

عندما أنهيت قراءة هذا الكتاب، شعرت أنني لم أقرأ تاريخ المكتب الثاني فقط، بل قرأت تحذيرًا موجّهًا إلينا اليوم.

فالوجوه تتغيّر، لكن حين تتشابه الظروف، تعود الآليات نفسها.

وإذا كان هذا الكتاب قد وثّق كيف حكم الأمن الدولة في الماضي، فإن سؤال الحاضر يبقى:

هل تعلّمنا كيف نحكم الدولة من دون أن نعود إلى الظل؟

Copyright © TOPSKY NEWS

عندما تنتصر الدولة… يسقط...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق...

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على...

الجزائر وسط حزام من النار:...

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط...

من كسر التابو إلى إعادة...

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات....

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

عندما تنتصر الدولة… يسقط منطق الميليشيا

بقلم: د. ميراي زيادة ليست التحولات الكبرى وليدة الصدفة، ولا تُقاس بعدد الطلقات التي أُطلقت، بل بالنتائج التي تُفرض على الأرض. وما يشهده لبنان اليوم...

الجزائر وسط حزام من النار: صدام مع الإمارات وتهديد من مالي ومعركة نفوذ تمتد من المغرب إلى السودان.

بقلم:د.ميراي زيادة لم تعد الجزائر تواجه أزمة عابرة، ولا خلافاً دبلوماسياً يمكن تطويقه ببيان رسمي أو اتصال سياسي. ما يحيط بها اليوم أقرب إلى حزام...

من كسر التابو إلى إعادة تعريف السياسة: هل دخل لبنان مرحلة جديدة؟

بقلم:د.ميراي زيادة  في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بتوقيع الاتفاقيات، بل تبدأ بتغيير اللغة. فقبل أن تتغير القوانين، تتغير المفردات. وقبل أن تتبدل التحالفات، تتبدل...

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن!

بعد مطاردة ورصد.. قاتل فتاة في قبضة قوى الأمن! صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي - شعبة العلاقات العامّة البلاغ التّالي: "في إطار المتابعة المستمرّة...

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع

ضغوط تحاصر الرئيس جوزف عون في واشنطن.. وترامب سيطالبه بالتعاون مع أحمد الشرع النهار: من يلتقي أو من يختلف مع الرئيس جوزف عون يدرك حجم الضغوط...

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو

حرب عنيفة على لبنان؟.. والورقة الأخيرة بيد نتنياهو جاء في أساس ميديا: تقول مصادر دبلوماسيّة غربيّة لـ”أساس” إنّ القيادة الإسرائيليّة تنظر إلى لبنان باعتباره “الملفّ الأمنيّ...