لبنان في تاريخه القديم والحديث، كان ساحة لمشاريع خارجية، فشهد احتلالات ووصايات له، وكانت ادواتها اطراف لبنانية، برداءات طائفية، تتلاقى مصالحها مع الاطماع الخارجية، هذا هو التاريخ يخبرنا عما حل في «بلاد الارز»، وهي جزء من المشرق العربي، الذي كانت الاحداث فيه مترابطة مع ما حصل للبنان.
وفي المرحلة القريبة التي تبدأ مع الاستقلال في العام 1943، فان لبنان كان في صلب الصراع البريطاني ـ الفرنسي، وحلت الولايات المتحدة الاميركية مكانهما، في مشاريعها لمنطقة الشرق الادنى والاوسط، ولبنان من ضمنها، فكان مشروع الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور لمحاربة الشيوعية في منتصف خمسينات القرن الماضي، وانحاز لبنان الرسمي اليه من ضمن «حلف بغداد» في عهد الرئيس كميل شمعون، ليظهر في السبعينات مشروع وزير الخارجية الاميركية الاسبق هنري كيسنجر لتقسيمه وكان لبنان في قلبه وبعد ذلك حضر مشروع الرئيس رونالد ريغان مطلع الثمانينات لحل ازمة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ووضع لبنان على خريطة هذا المشروع، والذي كان من نتائجه غزو اسرائيلي للبنان في حزيران عام 1982، والذي سبقه احتلال اسرائيلي لما سمي «الشريط الحدودي» في الجنوب عام 1978، وقبلهما تفجير الحرب الاهلية في 13 نيسان 1975، لمنع حق العودة للفلسطينيين وتقسيم لبنان.ط
ففي كل الازمات والحروب الداخلية والتدخلات الخارجية، والاحتلالات الاسرائيلية، كانت من ضمن مشاريع اميركية للبنان، والممتدة الى المنطقة، وكان آخرها مشروع «الشرق الاوسط الكبير» للرئيس الاميركي جورج بوش الابن، والذي من نتائجه تجديد حرب اهلية باردة، بدأت مع القرار 1559 في ايلول 2004، وتبع ذلك اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومسلسل اغتيالات استهدفت شخصيات من 14 آذار، ثم حصل العدوان الاسرائيلي صيف 2006، والذي لم يحقق اهدافه، كما انكسر مشروع «الشرق الاوسط الاميركي» في لبنان.
هذا العرض التاريخي للمشاريع الاميركية في لبنان والمنطقة، كما اخرى في العالم، للاشارة الى ان مشروعاً اميركياً جديداً يستهدف لبنان، عبّرت عنه مساعدة وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى بربارا ليف، الذي ومنذ شهرين، وفي اطلالة لها عبر مركز «ويلسون» للدراسات الذي يديره السفير الاميركي الاسبق في لبنان ديفيد هيل، لتتحدث عن ان الاحتجاجات ستعود الى الشارع، وان نواباً سيغادرون لبنان، وعملية هجرة وتهجير ستحصل، وستنهار المؤسسات بما فيها العسكرية والامنية والقضائية.
وما عبّرت عنه الديبلوماسية الاميركية، هو ما حصل في لبنان، منذ 17 تشرين الاول 2019، عندما تحرك الشارع ضد الفساد، لكن النتيجة كانت ان المؤسسات الرسمية شلت، وارتفع سعر صرف الدولار امام الليرة، فتحول اللبنانيون الى الجوع والفقر والبطالة والهجرة، كما اصبح موقع رئاسة الجمهورية شاغراً، والحكومة مستقيلة بعد الانتخابات النيابية، ولم يتمكن نجيب ميقاتي من تشكيل اخرى، وظهر صراع على الصلاحيات اتخذ طابعاً طائفياً، في وقت ينقسم القضاء على نفسه، بسبب التحقيق في تفجير مرفأ بيروت، وهذا التطور الذي حص بين المحقق العدلي طارق البيطار ومدعي عام التمييز غسان عويدات يكشف عن ان الاوضاع باتت خارج السيطرة، وان السلطة القضائية فقدت وجودها، منذ الاضراب الذي بدأه القضاة منذ اشهر، حيث تبقى مؤسستا الجيش وقوى الامن الداخلي، مدار اهتمام اميركي واسناد لهما، كي يصمدا بوجه الازمة المالية والاجتماعية.ط
فالانهيار حصل في لبنان، ومؤسساته شغرت او تعطلت، وآخرها مجلس النواب الذي لم يتمكن من انتخاب رئيس للجمهورية، وقد لا يستطيع، لان من ينتخب الرئيس هو القرار الخارجي، وازمة الشغور مستمرة، وانحلال الدولة الى تصاعد، مع ظهور دعوات الى «الامن الذاتي»، والتقسيم والفدرلة والطلاق، وكل ذلك يصب في ما اعلنته المسؤولة الاميركية لايف، ان لبنان يتجه نحو التفكك، ويعيد اللبنانيين الى مرحلة «الكانتونات» الطائفية، وقيام خطوط تماس بين المناطق.
فمثل هذا الكلام الاميركي الصريح، يؤكد ان المشروع الاميركي له قد ارتسم، وهو تفكيكه، لاعادة انشائه من جديد واسقاط صيغة «دولة لبنان الكبير»، التي انشأتها فرنسا عام 1920، والتي ترى واشنطن انها انتهت، وهذا ما لمّح اليه مسؤولون فرنسيون ايضاً، لا سيما وزير الخارجية جان ايف لودريان الذي نعى الكيان الذي اقامته دولته.
وما اعلنته ليف، يكشف ان التوجه الاميركي هو تفكيك لبنان، واعادة انشائه، حيث تشجع المسؤولة الاميركية على الاحتجاجات وقطع الطرقات، وما حدث في قضية تفجير مرفأ بيروت والخلاف القضائي حوله، وانقسام اهالي الضحايا، بين فريق مؤيد للقاضي البيطار، وآخر ضده، وكذلك بين القوى السياسية، وهذا ما يساعد على مزيد من تدهور الاوضاع، باتجاه الفوضى اكثر، وقد تكون تداعيات تفجير المرفأ، هي الشرارة لفتنة بين اللبنانيين. وجرى التعبير عنها، في الشارع، كما في السياسة والشارع، وهذا لا يطمئن ابداً، اذ ان التعبئة الطائفية والسياسية ترسخت داخل المجتمع اللبناني، ومحاولة استدعاء التدويل لقضية المرفأ، وهو ما ظهر مع حضور لجان قضائية اوروبية من فرنسا ولوكسمبورغ والمانيا، وان فرنسا لديها توجه الى رفع طلب الى مجلس الامن الدولي باجراء تحقيق دولي في الانفجار الذي حصل في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، اضافة الى ما اعلنته وزارة الخارجية الاميركية، عن ان ضحايا الانفجار يستحقون العدالة، ومحاسبة المسؤولين.
كمال ذبيان – الديار

